الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
432
المنقذ من التقليد
ذلك » ، وبين أن يقول : « الزموا هذه العبادة » ، ولا تقيّد بذكر غاية ، ثمّ يقول بعد انتهاء المدّة التي كانت العبادة مصلحة إليها : « اتركوها فقد زالت عنكم » . وهل تجويز أحد الأمرين إلّا كتجويز الآخر ، ثمّ وغير ممتنع أنّ تتعلق المصلحة بأن لا يبيّن للمكلّفين الغاية التي عندها ينقطع التعبّد بها في وقت الخطاب والأمر بها ، وبأن يبيّن لهم بعد ذلك بزمان ، فعند ذلك يتعيّن تأخير ذلك البيان فيكون نسخا ، وهذا لا يقتضي البداء ولا إضافة قبيح من أمر أو نهي إليه . وإنّما الذي تقتضيه هو أن ينهى من أمره تعالى بفعل على وجه مخصوص في وقت معيّن عن نفس ما أمر به على ذلك الوجه في ذلك الوقت ، كأن يقول لشخص معيّن أو أشخاص معيّنين : صلّ أو صلّوا اليوم وقت الظهر أربع ركعات بنيّة الوجوب ، ثمّ يقول : لا تصلّ أو لا تصلّوا اليوم وقت الظهر أربع ركعات بنيّة الوجوب . يبيّن ما ذكرناه أنّ البداء معناه الظهور والاطّلاع على من كان خافيا عند من ظهر له ولسنا نقول : إنّه تعالى إنّما علم صيرورة ما كان مصلحة في وقت مفسدة في وقت آخر عندما صار مفسدة . بل نقول : علم اللّه تعالى لم يزل أنّ الفعل يكون مصلحة في زمان مفسدة في زمان آخر ، فيأمر به في الوقت الذي علم أنّه مصلحة فيه ، وينهى عنه في الوقت الذي علم أنّه مفسدة فيه وهذا غير ممتنع ، كما لم يمتنع أن علم لم يزل أن إمراض شخص معيّن ممّن يخلقهم وفقره مصلحة له في وقت ، وصحّته وغناه مصلحة له في وقت آخر ، فيمرضه ويفقره في الوقت الذي علم أنّ ذلك مصلحته ، ويصحّحه ويغنيه في الوقت الذي علم أنّ ذلك مصلحته . وكما لا يمتنع أن يعلم أحدنا أنّ مصلحة ولده الرفق به اليوم وغدا مصلحته العنف ، فيرفق به في اليوم ويعنف معه بالغد . كما لا يمتنع أن يعلم الطبيب أنّ صلاح المريض اليوم في دواء مخصوص وغدا في دواء آخر ، فيأمره اليوم بذلك الدواء ، وغدا بالدواء الآخر .