الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي

428

المنقذ من التقليد

لأنّ الغرض في سائر التكاليف مجرّد تعريض المكلّف للمنافع فإذا لم يفعل ما كلّف ولم يصل إلى المنافع التي عرض لها أتى في ذلك من قبل نفسه ، وتكليف النبوّة الغرض الأصليّ فيه يتعلق بغير النبيّ على ما أشرنا إليه ، وإن كان فيه غرض يرجع إلى النبيّ فذلك على وجه التبع ، فلا يجوز أن يكون الأمر على ذلك ، ومع هذا يكتم ولا يؤدّي ، لأنّ ذلك مخلّ بإزاحة علّتهم في التكليف . فأمّا الآيات والأخبار التي تمسّك بها من يخالفنا في هذه المسألة وزعموا أنّها تقتضي إضافة الزلّات والذنوب إلى الأنبياء ، فقد ذكر سيّدنا المرتضى - رضي اللّه عنه - تأويلاتها في كتابه الموسوم ب تنزيه الأنبياء والأئمة ، وبيّن أنّها لا تقتضي صحّة إضافة معصية إلى نبيّ ، فمن أرادها فليطلبها منه . ومن صفات النبيّ أن يكون مجنّبا من الخلق المشينة والأمراض المنفرة على ما جرى في خلال كلامنا . وقد اختلفوا في تفصيل ذلك ، فأجاز بعضهم العمى والصمم على النبيّ ، وزعم أنّهما لا ينفّران . قال : ولهذا تسكن نفوسنا إلى العلماء العمي والصمّ إذا اختصّوا بالفطانة ، إلّا إذا كانا ما نعين من أداء الرسالة ، فحينئذ يجب أن يعصم منها . فاما البرص والجذام وما أشبههما ، فلا خلاف في أنّها لا تجوز على الأنبياء ، لما فيها من التنفير . والصحيح أنّ العمى والصّمم أيضا غير جائزين عليهم ، لما فيها من التنفير أيضا ، وهذا ظاهر موجود من النفس ، وإن كان التنفير فيهما دون التنفير في الجذام والبرص وما أشبههما . وينبغي أن يعصم عن كثير من المباحات كالأكل في الطرقات ، ويعصم أيضا عمّا يؤثّر في معجزه ويوهم أنّه من قبله ، كعلم الكتابة ونظم الشعر ، لأنّ ذلك وإن كان فضيلة في كثير من الناس ، الّا أنّه لمّا كان معجزة نبينا ، عليه السلام خاصّة من قبيل الكلام والإخبار عن الغيوب عصم عليه السلام عن ذلك ، لئلّا يوهم أنّ معجزته من قبيل الشعر وأنّه يطالع أخبار الأمم السالفة