الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي

417

المنقذ من التقليد

فإن قيل : ما أنكرتم أن يكون في الحشائش والعقاقير والأدوية ما إذا شربه الإنسان صار فصيحا بليغا ، بحيث يتمكّن من مثل فصاحة القرآن وأن يكون فيها ما إذا مسّ به ميّت ، صار حيّا . قلنا : إن كان في الوجود مثل ذلك لم يخل من أحد أمرين : إمّا أن يكون للناس طريق إلى معرفة ذلك الدواء أو لا يكون لهم طريق إلى معرفة ذلك فإن كان لهم طريق إلى معرفته ، وجب أن يمكن الظفر به والاطّلاع عليه . وإذا اطّلعوا عليه ، وجب أن يعارضوا به من ظهر عليه وتمسّك به . وإن لم يكن لهم طريق إلى معرفته ولم يمكنهم الظفر به ، وجب أن يكون الظفر به والاطّلاع عليه معجزا ، لأنّه يعلم أنّه لم يطّلع عليه إلّا بأن أطلعه اللّه تعالى عليه . وذلك خارق عادة من جهته تعالى ، مطابقا لدعوى المدّعي ، إذ التقدير أنّه تعالى لم يطلع عليه أحدا سوى المدّعي للنبوة ، فيعلم بذلك صدقه في دعواه . ثمّ يعلم بعد ذلك بخبره أنّ ذلك ليس من جهته ، بل من قبله تعالى ، كالقرآن الذي أنزله عليه . وكذلك هذا في الدواء الذي أورده السائل وجوّزه في إحياء الموتى . واعلم أنّ للسحر والحيل وجوها ، مهما فتّش عنها من اعتنى لها وقف على تلك الوجوه ، ولهذا يصحّ في ذلك التعلّم والتلمذ ، ولا يختصّ به أحد دون غيره ، أي كلّ واحد متمكّن من تعلّمه ، وإذا تعلّمه أمكنه أن يفعل مثل فعل غيره ممّن يعلم ذلك . ومعجزات الأنبياء عليهم السلام بخلاف ذلك ، لأنّ أعداءهم المعتنون بإبطال أمرهم الساعون في كشف عوارهم إن كانت لهم عوار ، يجدّون ويجتهدون في التفتيش عنها ويعتنون بالوقوف والاطّلاع على وجوهها ، فلا يقفون فيها على وجه حيلة . ولهذا أقر سحرة فرعون على ما قصّه اللّه تعالى ، وهم أعلم أهل الأرض بالسحر : بأن ما جاء به موسى عليه السلام ليس بسحر ، فآمنوا وقالوا لفرعون : « وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا