الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
412
المنقذ من التقليد
من جوّزه ، وهو الذي نذهب إليه ، وقد أشرنا فيما سبق إلى ما يمكن التمسّك به في تصحيح ذلك وبيانه ومنع البصريّون منه ، واستدلّوا بأنّ هذا المعجز لا يتعلّق بتصديق أحد ولا باكرام أحد ، والمعجز إنّما يفعله تعالى إمّا تصديقا عندنا أو إكراما عندكم فيصير خرق عادة ابتداء . وذلك لا يجوز ، لأنّه يقدح في دلالته على صدق من يظهر عليه . والجواب عن ذلك : أنّا إنّما نجوّز إظهار المعجز للإرهاص إذا تقدّمت البشارة من نبيّ متقدّم ببعثة نبيّ بعده ، وظهرت تلك البشارة في الناس ، وفشت فيما بينهم ، فعند ذلك إذا ظهر خارق عادة صار متعلّقا بدعواه النبوّة من بعد من حيث المعنى ، باعتبار أنّه لولا صدقه فيما يدّعيه من بعد لما انخرقت العادة ويكون ذلك إعلاما لقرب زمانه وتنبيها للناس على النظر في معجزاته إذا ظهر وادّعى النبوّة وظهر عليه معجز ويكون ذلك أيضا إكراما له أي إنباء أنّه سيكون له منزلة وقدّر عنده تعالى . وهذا مثل ما روي في حقّ نبيّنا عليه السلام من قصّة أصحاب الفيل قبل ولادته وبعد ولادته ، كقصّة بحيراء وتظليل الغمام إيّاه عليه السلام وتسليم الأحجار عليه . فإن قيل : فإذن يكون ذلك معجزا للنبيّ المتقدّم المبشر به . قلنا : النبيّ المتقدّم إنّما بشّر به ولم يعيّن ما سيظهر من المعجز قبل ابتعاث من بشّر به وابتعاثه ، بل ربما لم يذكر جملة أنّه سيظهر ناقض عادة قبل ابتعاثه ، فكيف يكون ذلك معجزا له ؟ فتحقّق أنّه لا يكون إلّا إرهاصا لنبوّة من سيبعث . والبصريون يقولون : إنّ ما ظهر من الأمور الخارقة للعادة قبل ابتعاث نبيّنا محمّد عليه السلام كان معجزات لنبيّ كان في ذلك الزمان ، وهو خالد بن سنان العبسي . والجواب عنه ما تقدّم : وبعد ، فتظليل الغمام للرسول عليه السلام وتسليم