الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
407
المنقذ من التقليد
بعينه مدلول ظهور المعجز وثبوته . أمّا قولهم : « إنّ المعجز لمّا دلّ على تميّز النبيّ عن غيره بالنبوّة وجب أن يدلّ على النبوّة في كلّ موضع كالفعل المحكم » ، فغير مسلّم . ثم قالوا : إنّ أحدهما كالآخر ، مع أنّ الفرق بينهما ظاهر من حيث انّ دلالة الفعل المحكم إنّما هي بطريقة التصحيح ، بمعنى انّه لولا ثبوت مصحّحه لما حصل ولما صحّ ولا مجال للاختيار فيه ، فلذلك وجب في كلّ موضع ثبت ثبوت مصحّحه من كونه عالما . وليس كذلك المعجز ، لأنّ دلالته إنّما هي بطريق الاختيار ، بمعنى أنّه لولا صدقه فيه دعواه لما اختار الحكيم خرق عادته في أفعاله . والإفصاح عن هذا الفرق أنّ الفعل المحكم يدلّ على ما لو لاه لما صحّ ، والمعجز لا يدلّ على ما لو لاه لما صحّ ولما أمكن ، بل يدلّ على ما لو لاه لما اختاره الفاعل الحكيم إذا انكشف هذا الفرق فكما يجوز أن يختار الحكيم - عزّ وجلّ - إظهاره على النبيّ ، ليدلّ على صدقه في دعواه ، فكذلك يجوز أن يختار إظهاره على صادق آخر وصالح ذي منزلة وقدر عنده ، ليدلّ على صدق الصادق وصلاح الصالح وكرامتهما عليه ومنزلتهما عنده ، وليدلّ « 1 » على ما يدعوان إليه من الأعمال الصالحة أو لمصلحة دينيّة تثبت فيه أو إرهاصا لنبوته إن كان المعلوم أنّه تعالى سيبعثه . وفيما ذكرناه وقرّرناه تحقيق الجواب عمّا قالوه - من أنّه لو جاز إظهاره على صالح أو صادق غير نبيّ لجاز إظهاره على كلّ صالح وصادق ، حتّى لو صدق في قوله تغدّيت أو تعشّيت لجاز إظهار المعجز عليه - لأنّا إنما نجوّز إظهاره إذا تعلّق به غرض كبيرا ومصلحة دينيّة ، ويجري ظهور المعجز مجرى كلامه تعالى الذي فيه
--> ( 1 ) م : وليعمل .