الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
405
المنقذ من التقليد
سائر المواضع على أنّ المحكم للفعل عالم . والأصل في الجواب عن ذلك أن نقول : النبيّ إنّما بان وتميّز عن غيره بالنبوّة لا بالمعجز . فإذا ادّعى النبوّة والبينونة والتميز بها وظهر عليه المعجز مطابقا لدعواه ، فالمعجز إنما دلّ على صدقه في دعواه هذه وكشف عن ثبوت نبوته وتميّزه وبينونته بها بالتضمّن ، ولم يكسب له هذا التميّز والبينونة ، فليست النبوّة والبينونة بها أمرا موجبا عن المعجز ، حتى لا يلزم ثبوتها في كلّ موضع ثبت المعجز . فإن قيل : المعجز وإن لم يوجب النبوّة والبينونة بها ، أليس هو دليل النبوّة ، والدليل أيضا يجب اطراده وحصول مدلوله أينما ثبت ، وإلّا انتقص كونه دليلا ؟ قلنا : قد ذكرنا أنّ مدلوله إنما هو صدق الدعوى التي يطابقها ، وأنّه إنما دلّ على النبوّة والتميّز بها من حيث دلّ على صدق النبيّ فيما ادّعاه وكان دعوى النبيّ النبوّة والبينونة بها ، فتضمّن صدقه في تلك الدعوى نبوّته وبينونته ، لا أنّه كان دليلا على النبوّة والبينونة بها من دون دلالته على الصدق ، حتّى يجب أن يدلّ عليها في كلّ موضع . فإن قيل : فعلى ما يقولون يجب أن لا يظهر معجزا ، لا تصديقا لدعوى ، ، وأنتم تحيزون ظهوره على الائمّة والصالحين وإن لم يكن ثمّ دعوى ؟ قلنا : المعجز إنّما يكون دليل الصدق إذا كان هناك دعوى يطابقها المعجز . فأمّا إذا لم تصادف دعوى ، فانّما يدلّ على وجاهة من ظهر عليه وكرامته ومنزلته عند اللّه تعالى . وبعد ، فانّ الدعوى كما يكون بالمقال فقد يكون بالحال . فمن ظهر عليه آثار الصالح وباين الظلمة والخونة والفسّاق واشتهر بذلك وإن لم يدّع الصدق والصلاح قولا ، فانّه يدّعي هذه المنزلة والمباينة حالا ، أي حاله وطريقته ومعاملته تضمّن معنى هذه الدعوى ، فيمكن أن يقال : المعجز يدلّ على صدقه في دعواه حالا .