الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي

399

المنقذ من التقليد

العالم في تقدير الأوقات التي لا يخلقه فيه عادة ، ولا يقال : إنّ عادته تعالى جرت بأن لا يخلق العالم في تقدير تلك الأوقات ، لمّا لم يكن ذلك النفي على ما ذكرناه . وعلى هذا لا يقال في ابتداء خلق العالم : إنّه خرق عادة ، وكذا لا يقال في ابتداء خلق آدم عليه السلام لا من ذكر وأنثى بل من طين : إنّه خرق عادة ، لمّا لم يكن قبل ذلك عادة جارية ، لا راجعة إلى الإثبات ولا راجعة إلى النفي . إذا تقرّر هذا فخرق العادة الراجعة إلى الإثبات هو بأن لا يفعل أصلا ما جرت عادته بفعله ، كأن يجري الوطي بين الذكور والإناث من أهل بلدة كبيرة ، مثل بغداد ، فلا تحبل امرأة منهم ولا يخلق تعالى ولدا أصلا والبتة من دون مرض وآفة ، وكأن لا يخلق في العرب العلوم بالفصاحة التي جرت عادته تعالى بخلقها فيهم بعد التحدّي على ما يذهب إليه أصحاب الصرفة . وخرق العادة الراجعة إلى النفي هو بأن يفعل الفعل على الوجه الذي جرت عادته بأنّه لا يفعله على ذلك الوجه ، كأن يخلق ولدا ابتداء لا من ذكر وأنثى ، وينزل مطرا من دون سحاب ، ويقلب الفصاحيّة ، وكأكثر المعجزات للأنبياء عليهم السلام . فإن قيل : قد ذكرتم أنّ ابتداء خلق آدم عليه السلام لا من ذكر وأنثى ، بل من حمأ مسنون لم يكن خرق عادة ، لأنّه لم يتقدّم خلقه عادة في خلق الإنسان جارية حتّى يجعل خلقه عليه السلام تعالى كذلك خارقا لتلك العادة ، فما تقولون في خلق نسله بعد ذلك من ماء مهين ؟ هل يكون خرق عادة ؟ قلنا : لا نقول ذلك ، لأنّه لم يخلق تبارك وتعالى من غير ذكر وأنثى إلّا آدم وحوّاء ، وإذا كان كذلك لم يكن ثمّ عادة جارية مستمرة حتّى يقال فيما خالفه إنّه خرق لتلك العادة . ولو أنّه تعالى خلق مدّة ناسا لا من ذكر وأنثى ، ثمّ خلق بعد ذلك الناس من النطفة ، لكان ذلك خرقا للعادة . فإن قيل : هل يجوز فيما هو خارق عادة أن يستمر ؟ ، فيصير عادة بعد أن