الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي

396

المنقذ من التقليد

وقد اعترض هذا الجواب بأن قيل : القدر الكثيرة إنّما تحتاج إلى زيادة صلابة ، واللطافة لا تمنع من الصلابة وذلك لأنّ اللطيف ربما كان صلبا ، ألا ترى أن الريح قد تتصلّب بحيث تقلع الأشجار من أصولها والجدران من أساسها ، ومع ذلك لا تخرج من كونها لطيفة . والجواب الصحيح عن ذلك بأن يقال : ما لم يثبت بالمعجز الذي لا يدخل جنسه أو وقوعه على الوجه المخصوص تحت مقدور العباد صدق مدّع لا يمكننا الاستدلال بما يدخل جنسه تحت مقدور العباد وطريق ذلك أنّه إذا ثبت بما لا يدخل جنسه أو وقوعه على الوجه المخصوص تحت مقدور العباد صدق مدّع وأخبر ذلك الصادق أنّ أحوال القادرين بالقدر متساوية متقاربة في مقادير ما يقدرون عليه وأنّ ما لا يقدر عليه البشر من طفر البحر ونقل الجبل لا يقدر عليه الجنّ ولا الملك ، ثمّ بعد ذلك جاء مدّعي وجعل دلالة صدقه ما يدخل جنسه تحت مقدور العباد ، أمكن الاستدلال به . فإن قيل : ما تقولون في الأبنية التي بنيت ولم يؤت بمثلها كالهرمين وإيوان كسرى ومنارة الإسكندرية والمرآة التي نصب عليها ، فانّه يقال كان يظهر فيها الجيش الذي يخرج من قسطنطنية ، والمرآة الحرّاقة التي نصبت فانّها كانت تحرق ما يكون منها على مائة فرسخ ، والقمر الذي أطلعه المقنّع ، وما تقولون في الطلسمات ؟ أتقولون بأنّ هذه الأشياء معجزات أم لا ؟ قلنا : أمّا الأبنية التي ذكرت فليست هي معجزات . وإنّما لم يؤت بمثلها ، لأنّ مثلها يحتاج إلى إنفاق أموال كثيرة ، وملوك زماننا لا تسمح نفوسهم إنفاق مثل تلك الأموال وغير ممتنع أن تكون تلك الأبنية إنّما تمت بمدّة طويلة وبمرور الأيّام وتصرّم الأعمار ، وملوك زماننا لا يرغبون في أن يبتدءوا ببناء لا يتمّ في زمانهم وإنما يتمّ لمن يجيء بعدهم فلهذا لا يتفق في زماننا هذا مثل تلك الأبنية . وهذا هو الجواب عمّا ذكر في منارة الاسكندريّة . ويقال إنّ عضد