الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي

387

المنقذ من التقليد

إن قالوا بالعقل قلنا : لو كان مطابقة الشرع لمصلحتنا معلومة بالعقل ، لاستغنينا عن بعثة النبيّ . وإن قالوا بقول الرسول قلنا وعلى قاعدتكم هذه إنّما نعلم صدق الرسول بمطابقة شرعه لمصلحتنا فإذا قلتم إنما نعلم كون شرعه مطابقا لمصلحتنا بقوله كان ذلك إيقافا لكلّ واحد منهما على صاحبه واستدلالا بالشيء على نفسه . فإن قالوا : إنّما نعلمها مصالح بأن نستعملها فنجدها مؤثرة في رياضة النفس والزهد في الدنيا . قلنا : فهذا تعلمونه بعد استعمالها . فما دليلكم على وجوب استعمالها ؟ وبم تنكرون قبل استعمالها أن تكون مفاسد قبيحة ؟ وبعد ، فكلّ من اعتقد في شيء انّه عبادة وتديّن به ، فانّه إذا استعمله واشتغل به ، وجد لنفسه تميّزا ممّن لا يشتغل به ، حقّا كان ذلك أو باطلا . يبيّن ذلك أن رهابنة النصارى وعبدة الأصنام يدّعون فيما يعتقدونه عبادة أن لاستعماله من الأثر في النفس بالرياضة والزهد في الدنيا والرذائل مثل ما تدّعونه أنتم . ونجدهم مروّضين زاهدين في الدنيا ويكفّون عن الملاذّ من المآكل والمشارب والمناكح والملابس ، ومع هذا لم يدلّ ذلك على صحّة ديانتهم وكون ما يستعملونه من عباداتهم مصالح ، فتحقّق أنّه لا بدّ من تقديم العلم بحقيقة الدين والشرع وكون العبادة مصلحة ثمّ الاشتغال بها « 1 » . ثمّ يقال لهم : إذا جوّزتم كون المعجزات سحرا يريكم المدّعي للنبوّة أنّها معجزات وليست كذلك ، فما أنكرتم فيما يأتي به من الشرع والعبادة ويستعمله ويدّعي كونها مصلحة أنّه لا يكون مصلحة ولكنّه بسحره يخيّل إليكم ويوهمكم كونه مصلحة ولا يكون كذلك .

--> ( 1 ) م : نشتغل .