الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
384
المنقذ من التقليد
فإن قيل : ما حقيقة المعجز ؟ ولم قلتم : إنّه يدلّ على صدق من ظهر عليه ؟ ولم قلتم : إنّه لا طريق إلى معرفة صدق الرسل إلّا المعجز أو ما يستند إليه ؟ وما الذي تعنون بما يستند إلى المعجز ؟ قلنا : أمّا المعجز فهو في أصل الوضع عبارة عمّا يعجز الغير ، كالمقدر فانّه عبارة عمّن يجعل الغير قادرا ، وأمّا في العرف فهو الخارق للعادة الذي يظهر من جهة اللّه تعالى الدال على صدق من ظهر عليه . وله شروط منها : أن يكون خارقا لعادة المكلّفين الذين من ظهر عليه بين ظهرانيهم . ومنها : أن يتعذّر على المكلّفين الإتيان بجنسه ، أو وقوعه على الوجه الذي وقع عليه ومنها : أن يختصّ بمن ظهر عليه على وجه التصديق لدعواه الصريح الظاهر أو ما يجرى مجراه كان يظهر معجز على نبيّ استقرّت نبوّته من دون تجديد دعوى منه ، لأنّ ظهور أمره ودعواه الأولى بين الخلق يجري مجرى الدعوى المجدّدة وكذلك تميّز شخص من الناس بالعفّة والصلاح وصدق القول وحسن الطريقة وظهور ذلك في الناس حتى عرف به يجرى مجرى ادّعائه ذلك بالقول فيجوز ظهور المعجز عليه عندنا وإذا ظهر عليه كان تصديقا لما يجري مجرى الدعوى بما ذكرناه . وإنما قلنا إنّه يدلّ على صدق من ظهر عليه لأنّه يجرى مجرى التصديق بالقول . بيان ذلك أنّه لا فرق في الشاهد بين أن يقول الملك لمن ادّعى عليه الرسالة : صدقت وبين أن يفعل ما التمسه منه ذلك المدّعي كان ذلك الذي التمسه منه مما لم يجر به عادة الملك ، كأن يقول للملك إن كنت صادقا فيما ادّعيته عليك فناولني خاتمك مع ما قد علمنا أنّه لم تجر عادة الملك بأن يعطي خاتمه كلّ أحد فإذا ناوله خاتمه كان ذلك تصديقا له ، جاريا مجرى قوله صدقت . وإنّما قلنا : لا طريق إلى معرفة صدق الرسل إلّا المعجز أو ما يستند إليه ، لأنّ الأدلّة على ضربين عقليّ وسمعيّ أمّا العقليات فخالية عن الأدلة على صدق