الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي

382

المنقذ من التقليد

فعل ذلك الفعل لمكان ذلك الداعي ، فإذا انصرف من فعل لمكان صارف يصرفه منه فانّه يجد من نفسه أنّه إنّما انصرف عنه لأجل ذلك الصارف . بيان ذلك : أنّ أحدنا إذا فعل فعلا لابتغاء نفع وجد من نفسه أنّه إنما فعل ذلك لابتغاء ذلك النفع ، وإذا انصرف عن فعل خوفا من ضرر يلحقه من فعله وجد أيضا من نفسه أنه إنّما انصرف عنه لأجل ذلك الخوف ، فلو كان أداؤنا للواجبات العقليّة واجتنابنا عن مقبحاتها لعلمنا بأداء هذه الشرعيّات لوجدنا ذلك من أنفسنا ومعلوم أنّا لا نجد ذلك من أنفسنا . قلنا : الداعي ربما كان ظاهرا مكشوفا كما ذكره السائل ، وربما كان غامضا ملتبسا فيعلم بضرب من الاستدلال أنّه فعل الفعل لمكانه . بيان ذلك أنّ المخير بين الصدق والكذب مع علمه بحسن الصدق وقبح الكذب واستغنائه بالصدق عن الكذب ، فانّه لا يختار إلّا الصدق وإنّما يختاره لعلمه بحسنه وهذا يعلم بضرب من الاستدلال . وكذا أحدنا يرشد الضالّ لعلمه بحسنه وهذا أيضا يعلم بضرب من الاستدلال . فإن قيل : إنّما يلتبس الحال في ذلك على الغير ، وأمّا القادر الفاعل الذي يفعل الفعل للداعي ، فانّه يلتبس عليه الداعي الذي لأجله يفعل . قلنا : وقد يلتبس أيضا على الفاعل نفسه مهما انضمّ داعي الحاجة إلى داعي الحكمة ، حتى يظنّ أنّه فعل الفعل لأجلهما أو لأجل داعي الحاجة فحسب ، وإنّما يعلم بدليل أنّه فعل ما فعله لداعي الحكمة . [ الكلام في إمكان البعثة ] فإن قيل : الكلام في حسن البعثة يبنى على الكلام في امكان البعثة وكيفيّتها فبيّنوه وذلك لأنّ الذي نقلناه « 1 » من البعثة في الشاهد لا يتأتى في حقّ القديم تعالى ، إذ الملك يشاهد فيراه الرسول ويعلم كلامه ويضطرّ إلى قصده

--> ( 1 ) م : عقلناه .