الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي

361

المنقذ من التقليد

القول في الأرزاق اعلم أنّ الرزق هو الذي يصحّ انتفاع الحيوان به ولا يكون لغيره أن يمنعه من الانتفاع به ، وقد يسمّى تمكين الحيوان من الانتفاع بالشيء مع الحظر على غيره منعه من الانتفاع به رزقا . فصار اسم الرزق مشتركا بين الشيء المنتفع به وبين التمكين من الانتفاع به ، على الوجه الذي ذكرناه ، وذلك لأنّه كما يقال : هذا الطعام رزق لزيد إذا صحّ انتفاعه به ولم يكن لغيره منعه من ذلك الانتفاع ، يقال : رزقه اللّه مالا ، بمعنى أنّه مكّنه من الانتفاع به وحظر على غيره منعه من ذلك ، وكذا يقال : رزق السلطان جنده إذا مكنهم من الانتفاع بأنّه رزقهم من جهته وحظر على غيرهم منعهم من ذلك الانتفاع . وليس الرزق هو التمليك ولا الملك ، لأنّ البهيمة ، مرزوقة وليست مملّكة ولا مالكة ، واللّه تعالى مالك وليس مرزوقا لاستحالة الانتفاع عليه ، فصحّة الانتفاع مراعاة في الرزق دون الملك ويراعى في المملك والمالك أن يعلم ما يعلمه العقلاء أو يتوقّع ذلك فيه . فلذلك لا يقال : مملّك ولا مالك في العجم وما لا يكون من قبيل العقلاء ، بل لا ينفصل الرزق من الملك في حقّ العقلاء ، فكلّ شيء هو رزقهم فهو ملكهم ، وكلّ ما هو ملكهم فهو رزقهم . فإن قيل : أليس يقال في حقّ من هو من قبيل العقلاء : رزقه اللّه ولدا وعقلا وعلما ، ولا يقال : ملّكه ولدا وعقلا وعلما .