الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
358
المنقذ من التقليد
ولمبطل هذا الاحتجاج أن يقول لهم : غير مسلّم أنّ خرق العادة لا يجوز إلّا في زمن نبيّ ، بل الصحيح أنّه يجوز ظهور الخارق للعادة على غير النبيّ وفي غير زمان نبيّ ، فبطلت قاعدة هذه الشبهة . ثمّ نقول : ولو تجاوزنا عن ذلك وسلّمنا تسليم جدل أنّ خرق العادة على غير نبيّ وفي غير زمن نبيّ لا يجوز ، فانّ ما ذكروه إنّما يمنع من موت جميعهم ، ولا يمنع من موت واحد واحد منهم على الانفراد ، فلا أحد من أولئك المقتولين أو الغرقى أو المهدوم عليهم - والعياذ باللّه - إلّا ولو أماته حتف أنفه في ذلك لما كان ذلك خرقا للعادة ، فوجب أن لا نقطع على أنّه يعيش ، بل نجوّز موته حتف أنفه ، وفي ذلك ، إبطال احتجاجه ومذهبه . وكذا نقول لهم : فيجب أن لا يقطعوا فيمن يقتل من الجماعات في زمن نبيّ على انّهم كانوا يعيشون لا محالة ، بل يلزمهم أن يجوّزوا موتهم في ذلك الزمان ، لأنّ ذلك الزمان زمان يجوّزون فيه خرق العادة . وفي ذلك بطلان مذهبكم . واحتجّوا أيضا بأن قالوا : لو كان المقتول يموت في ذلك الوقت لا محالة لو لم يقتله القاتل ، لما كان القاتل مسيئا إليه بسبب أنّه لو لم يفوّت عليه حياة لو لم يبطلها لبقيت ، ولما استحقّ أن يقاد ، ولكان ذابح الشاة محسنا إلى مالكها ، لأنّه لو لم يذبحها لماتت ولفات انتفاعه بلحمها . والجواب عن ذلك : أنّا لا نقطع على موت المقتول لولا القتل ، فيلزمنا ما قالوه ، بل نجوّز أن يبقى ويعيش ، ويغلب أيضا ذلك على ظنوننا من حيث أنّ الظاهر والغالب في العادة أنّ الحيوان الصحيح لا يموت في ساعة ولا بعد ساعة ، فلو لي المقتول أن يلزم القاتل القود ، ولمّا مات الشاة أن يلزم الذابح الغرامة ، لأنّ الظاهر أنّهما أبطلا ما لو لم يبطلاه لبقي . فاتّضح أنّ ما قالوه لا يلزمنا ، وكذا لا يلزم من قطع على أنّه كان يموت لولا