الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي

345

المنقذ من التقليد

الشهوة المتعلّقة بها فيها ، فانّه مكّنها من قضاء شهوتها بالميتات وكلّفنا منعها من إيصال هذه المضارّ إلى الحيوان وأنّه بذلك مخرج من أن يكون مغريا لها على فعل هذه الآلام بأن قال في السباع والجوارح ما لا يتناول الميتات ، كالأسد والبازي . وغير مسلّم أنّا كلّفنا منعها على الإطلاق ، بل إنّما يلزمنا منعها من مواشينا ، لأنّ فيه دفع الضرر عنّا ، وكذا لو رقّ قلبنا لبعض الحيوان بافتراس الذئب أو الأسد إيّاه ووصل إلينا غمّ شديد بسبب ذلك . فأمّا ما عدا ذلك ، فلا شيء يدلّ على وجوبه لا عقليّ ولا سمعيّ . وما سمعنا وما نقل إلينا عن أحد من العلماء قديما وحديثا ، أنّهم أوجبوا على العقلاء الخروج إلى البراري والصحاري ليمنعوا الأسود والذئاب من اصطياد الوحش وافتراسها . فإن قيل : أليس في المرويّ عن الرسول عليه السلام : « أنّه تعالى ينتصف للجماء من القرناء » . وهذا الحديث يقتضي ظاهره أنّه تعالى يأخذ حقّ الجمّاء وعوضها من القرناء ، فكيف تقول : « إنّ عوضها على اللّه تعالى ؟ وهل هذا إلّا مخالفه لهذا الظاهر ؟ قلنا : ليس في الخبر كيفيّة انتصافه لها منها ، فيحتمل أن يكون انتصافه تعالى لها منها ، بأن يعوض الجماء بأعواض موفية من قبله جلّ وعزّ بما نالها من القرناء ، فانّه إذا فعل تبارك وتعالى ذلك يكون قد انتصف لها منها . ويحتمل أن تكون فائدة الحديث والمقصود منه المبالغة في أنّه ينتصف للمظلوم الضعيف من الظالم القويّ ، لأنّه أراد الجمّاء والقرناء الحقيقيّين ، إذ وصف الضعيف بالجمّاء والقويّ بالقرناء من أحسن التشبيه . وأجاب أيضا عن احتجاج القاضي بأنّه تعالى ما بعث السباع على هذه المضارّ ولا ألجأها إليها ولا أطلقها لها ، وإنّما مكّن منها . فلو انتقل العوض إليه تعالى بالتمكين للزم إذا مكنّا غيرنا بدفع سيف إليه من قتل إنسان فقتله أن