الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي

26

المنقذ من التقليد

ويدلّ أيضا ، على بطلان القول بحوادث لا إلى أوّل ، أنّه لو صحّ ذلك لأدّى إلى استحالة حدوث حوادث زماننا هذا ، بل إلى استحالة حدوث كلّ حادث معيّن ، لأنّ من شرط حدوث كلّ حادث معيّن أن يسبقه حوادث لا إلى أوّل ، وتتقطّع وتتصرّم بواحد بعد واحد حتّى تنتهي النوبة إلى ذلك الحادث المعيّن . ومعلوم أنّ ما لا يتناهى عددا يستحيل أن ينقطع ويتصرّم بواحد بعد واحد ، الا ترى أنّه لا أوّل له حتّى تنتهي النّوبة من الأوّل إلى الثاني ومن الثاني إلى الثالث وكذلك إلى أن ينتهي إلى الحادث المعيّن . وإذا كان هذا محالا - وهو شرط في حدوث كلّ حادث معيّن على هذا القول - وجب أن يستحيل حدوث كلّ حادث معيّن ، والمؤدّي إلى استحالة ما تحقق ثبوته محال . ووجه آخر : وهو أن يقال : متى تصرّمت الحوادث التي نقول إنّها لا إلى أوّل ، فتصرّمها في زماننا هذا ، فينبغي لو فرضنا أنّه ما حدث حادث قبل زماننا هذا بمائة سنة أن لا تكون تلك الحوادث الّتي هي بلا نهاية متصرّمة تامّة ، وهذا يشعر بتناهيها ، لأنّها إنّما تتمّ بالحوادث الّتي هي حوادث مائة سنة . فإن قال : إنّما تصرّم في وقت آخر قبل هذا . قلنا لهم مثل ذلك ، وهو أنّه ينبغي أن تكون قبل ذلك ما كانت متصرّمة ، فيكون ذلك أيضا مشعرا بتناهيها ، إذ يكون تصرّمها باعتبار هذه الحوادث التي فصلناها عنها ، وكذلك القول في كلّ وقت أو تقدير وقت معيّن ، وعند هذا نعلم أنّه لو كان هاهنا حوادث لا إلى نهاية لكان تصرّمها أيضا لا إلى نهاية . وهذا محال ، لأنّ فيه أنّ حكم المتصرّم السابق على تصرّمه وحكم تصرّمه المتأخّر عنه سيان في مرور كل واحد منهما لا إلى نهاية . ويتبيّن بتقدير ثالث قديم ، فيقال : ذلك القديم كما لم ينفك من هذه الحوادث لم ينفكّ من تصرّم هذه الحوادث وفي هذا أنّ حكم السابق والمسبوق حكم واحد في التقدّم والسّبق ، وهذا محال . فثبت أن القول بحوادث لا إلى أوّل محال ، وإذا بطل ذلك تعيّن أنّ لها أوّلا ، وإذا تعيّن