الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
20
المنقذ من التقليد
الثاني : أنّ هذه الأمور متجدّدة محدثة وأمّا الثاني - وهو تجدّد هذه الأمور وحدوثها - فالأمر ظاهر في حدوث ما يتجدّد على الأجسام التي نتصرّف نحن فيها ، فإنّا نسكّنها بعد أن كانت متحرّكة ، ونحرّكها بعد أن كانت ساكنة ، ونجمع بين بعضها وبعض بعد أن كانت مفترقة ، ونفرّق بين بعضها وبعض بعد أن كانت مجتمعة ، فنعلم ضرورة نجدّد هذه الأمور فيما نتصرّف نحن فيه وإنّما الاشتباه في الأمور التي تثبت للأجسام الغائبة عنّا بأن يقول قائل : هلّا كانت تلك الأجسام ساكنة لم يزل فما تحرّكت ، أو مجتمعة فما افترقت ، أو مفترقة فما اجتمعت ، أو نقول فيما نتصرّف فيه : أنّها كانت ساكنة لم يزل فحرّكناها ، أو مجتمعة ففرّقناها ، أو مفترقة فجمعناها . والذي يدلّ على حدوث جميع هذه الأمور أنّ هذه الأمور جائزة الوجود بذواتها ، وإذا كانت جائزة الوجود بذواتها فلا توجد إلّا بمؤثّر ، إمّا موجب أو مختار والموجب إمّا أن يكون قديما أو محدثا ، وباطل أن يكون موجبا قديما ، فلم يبق إلّا أن يكون إمّا مختارا أو موجبا محدثا وأيّهما ثبت ثبت حدوث هذه الأمور لأنّ الحاصل بالمحدث لا يكون الّا محدثا . وكذلك الذي يوجده الفاعل لا يكون إلّا محدثا . فإن قيل : لم قلتم إنّ هذه الأعراض جائزة الوجود بذواتها ؟ قلنا : لأنّها لو لم تكن جائزة الوجود بذواتها لكانت واجبة الوجود بذواتها ، ولا ثالث في حقّ هذه الأعراض ، لأنّ الثالث إنّما هو الاستحالة والثابت لا يكون مستحيلا فتعيّن فيه أحد القسمين الجواز والوجوب ، فإذا بطل الوجوب لم يبق إلّا الجواز . فإن قيل : لم قلتم إنّه لا قسمة وراء الوجوب والجواز والاستحالة ؟ .