العلامة الحلي

358

مناهج اليقين في أصول الدين

والحق عندي مذهب المعتزلة والدليل عليه أن العقلاء بأسرهم يمدحون راد الوديعة ويذمون الظالم ، فإذا طلب منهم العلة في ذلك رجعوا إلى أن الرد حسن يستحق فاعله المدح ، والظلم قبيح يستحق الذم ، ولولا علمهم باستناد الحسن والقبح إلى الوجوه والاعتبارات التي يقع عليها الأفعال والا لما صح لهم استنادهما إليها . ولمشايخ المعتزلة طريق آخر ، وهو ان الضرر مثلا انما يقبح إذا كان ظلما وإذا انتفى الظلم انتفى القبح ، ودوران الأثر مع الوصف مشعر بالعلية ، ونحن قد بينا فيما سلف ضعف الدوران . مسألة : ذهبت المعتزلة إلى أن العلم بحسن بعض الأشياء وقبحها عقلي ، فبعضه ضروري كحسن رد الوديعة وحسن الصدق النافع ، وبعضه نظري كحسن الصدق الضار . وذهبت الأشاعرة إلى أن ذلك معلوم بالشرع وأنه لا حسن ولا قبح في العقل ، فالظلم لو أمر اللّه به لكان حسنا ولو نهى عن رد الوديعة لكان قبيحا . وذهبت الأوائل إلى أن العلم بحسن الأشياء وقبحها مستفاد من العقل العملي . والعدلية قد استدلوا على مذهبهم بوجوه : أحدها : أنا نعلم بالضرورة حسن رد الوديعة وقبح الظلم ، فان أحدا لو ضرب غيره على طوله أو قصره أو لونه أو كون الكواكب في السماء فإن العقلاء

--> اما عند أهل العدل فمنهما ما يستقل العقل بدركه ومنهما ما ليس كذلك ، والأول فمنه ما يعلم بالضرورة كشكر المنعم ورد الوديعة . . . ، ومنه ما يعلم بالنظر كالعلم بحسن الصدق الضار وقبح الكذب النافع ، وما لا يستقل العقل بدركه فكحسن صوم آخر يوم من رمضان وقبح صوم اليوم الذي بعده ، فإنه لا طريق للعقل إلى العلم بذلك لولا ورود الشرع » ( قواعد المرام ص 104 ) .