حسن حنفي
85
من العقيدة إلى الثورة
فإذا كانت المعجزة دليل الصدق الوحيد على النبوة واستحالت المعجزة استحالت النبوة بدورها . وان لم يكن للناس طريق آخر لاثبات النبوة غير طريق المعجزات الخارقة للعادات وبطلت المعجزات بطلت النبوات ، وحوصر الطريق إلى الله . وما الّذي جعل المعجزة هي الطريق الوحيد لاثبات النبوة وأولى بالدلالة عليها من غيرها ؟ وهل لا تصدق النبوة الا بهذا الطريق القائم على وجود المحال الممتنع في العقل والطبيعة ؟ ان المعجزة انكار لمبادئ العقل الثابتة ولقوانين الطبيعة المطردة فكيف تكون دليلا على وحى يستند أساسا إلى مبادئ العقل وقوانين الطبيعة ؟ وكيف تكون الاعراض دليلا على وجود الله . إذا كانت المعجزة تغيرات في الاعراض وجريانها على نحو غير مألوف على الأجسام فكيف تكون الاعراض ، وهي مشروطة بالأجسام ولا تستقل بذاتها ، دليلا على وجود الجواهر المفارقة ؟ ان العرض لا يؤدى إلى جوهر ، والمشروط لا يؤدى إلى الشارط . كما أن الفرع لا يثبت الأصل ، والمعجزة فرع والنبوة أصل « 126 » . وما الفائدة من اثبات النبوة بالمعجزة الآن ،
--> متعذر عليه أو ممنوع منه وان صح أن يقدر عليه غيره من الخلق كالملائكة فلا يكون معجزا لهم ، وهذا من قولهم مبنى على التولد ، الأصول ص 172 ، انكم لا تخلون عن دعوى علم ضروري في وجه دلالة المعجزة . فتارة تدعون الضروري من حيث القرينة الحالية ، وهي اقتران التحدي بالمعجزة ، وتارة تدعون ذلك من حيث دلالتها على قصد المخصص إلى التخصيص ، وتارة تدعون ذلك من حيث أنها نازلة منزلة التصديق بالقول تارة ، وتارة تدعون ذلك من حيث سلامتها عن المعارضة . فهلا ادعيتم الضرورة في أصل الدعوى أنه يعلم صدقه ضرورة ؟ ولئن قلتم ان قوله خبر يحتمل الصدق والكذب فيقال لكم والاحتمالات تتوجه إلى هذه الوجوه أيضا في دعواكم الضرورة فيها خصوصا والمنازع فيها على رأس الانكار وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ، وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ فان نسبتهم إلى العناد الصرف نسبوك إلى الجور المحض في وجه الخلاف ولات حين مناص ، النهاية ص 423 - 429 ، ص 436 - 437 ، ص 443 - 445 . ( 126 ) المنكرون في النبوات طعنوا في المعجزات من الأوجه السابقة ،