حسن حنفي
607
من العقيدة إلى الثورة
لتجاوز الفناء . ليس في الخلود فترة انتظار من لحظة الموت إلى لحظة قرار الخلود بل الخلود متصل لا انتظار فيه عندما يؤثر الانسان في حياته ، ويستمر أثره بعد مماته . الخلود واقع وليس تمنيا ، حاضر وليس مستقبلا ، يكتسب ولا يوهب . وبالخلود يستمر فعل الانسان ، ويظل الانسان فاعلا مؤثرا من خلال جهده وأثره طالما هو دائما فعال . يتم الخلود في هذا العالم من خلال الأثر الّذي يتركه الانسان في شعور الآخرين وفي واقعهم . لا يحدث الخلود في عالم آخر بل في هذا العالم وفي حياة الناس عندما يتحول سلوك الانسان إلى قدوة ، وحياته إلى نموذج . ليس الخلود ميزة فردية يستأثر بها انسان دون آخر بصادية يفرح صاحبها بنعيمه المقيم وبعذاب الآخرين . بل هي فردية بمعنى أنها مشروطة بجهد الفرد في البداية ثم تحيل الانسان كجزء من الحضارة والتاريخ في النهاية . ومع ذلك فالخلود فردى قد يحدث لفرد دون فرد لأنه كسب . وبالتالي ليس كل البشر خالدين . الخلود فقط لمن حول حياته الزمانية إلى حياة أبدية . ليست درجات الخلود خارج هذا العالم في مراتب اجتماعية ومكاسب مادية ومنازل ودور من أدوار وقصور أو زمان يقصر أو يطول بل درجات الخلود في هذا العالم طبقا للأثر الّذي يحدثه فعل الانسان في حياته على الآخرين . قد تحدث أخطاء في عملية التخليد نتيجة للاجتهاد ، خطأ أم صوابا ، ونتيجة لضعف الباعث أو شدته أو شوب القصد وطهارته أو غموض الهدف ووضوحه . تلك هي بنية الجهد الانساني الحر كدليل على حرية الانسان واختياره الحر . وقد تحدث مظاهر نكوص في عملية التخليد عندما تضعف الروح أو يتفتت الأثر أو عندما يحدث أثر مضاد . ولكن هذه هي حياة الخلود ، حياة تسرى عليها قوانين الحياة ، النشوء والنماء ، الانكماش والضمور ، الخلود في النهاية للحضارة وللتاريخ ، وللشعب صاحب الحضارة وصانع التاريخ . الخلود عملية يساهم فيها كل الافراد ، كل يكمل الآخر حتى يخلد الذهن البشرى الخالق المبدع وهو ما سماه الحكماء خلود العقل الفعال . ولكنه هذه المرة عقل الأمة أفرادا وجماعات ، حال في التاريخ وليس مفارقا للعالم . وان الخلود الفردى ليجد كماله في خلود الجماعة في الحضارة والتاريخ .