حسن حنفي
600
من العقيدة إلى الثورة
المساكين وبناء المساجد والزوايا والتكايا أم إعادة توزيع الثروة ؟ « 319 » . ان أمور المعاد في نهاية الامر ما هي الا تعبير عن عالم بالتمنى عندما يعجز الانسان عن عيشه بالفعل في عالم يحكمه القانون ويسوده العدل . لذلك تظهر باستمرار في فترات الاضطهاد وفي لحظات العجز وحين يسود الظلم ويعم القهر كتعويض عن عالم مثالي يأخذ فيه الانسان حقه ، ويرفع الظلم عنه . أمور المعاد في أحسن الأحوال تصوير فنى يقوم به الخيال تعويضا عن حرمان في الخبز أو الحرية ، في القوت أو الكرامة ، في الرزق أو الحق في عالم يحكمه القانون ويتحقق فيه العدل . وهي تعادل في علم أصول الدين المدن الفاضلة في علوم
--> ( 319 ) وقد لاحظ الشيخ حسين الجسر هذا التعويض بقوله « ثم إن السلطان العادل الحكيم الرحيم إذا كان له جمع من الرعية وكان بعضهم أقوياء وبعضهم ضعفاء كان من حكمته وعدله ورحمته أن ينتصر للمظلوم الضعيف من الظالم القوى ، والله سلطان حكيم عادل في حكمته وعدله ورحمته أن ينتصف لعبيده المظلومين من عبيده الظالمين . وهذا الانتصاف لم يحصل في هذه الدار لأننا نرى المظلوم قد يبقى فيها مهانا في غاية الذل والقهر ، مسلوب المال مفضوح العرض ، والظالم يبقى في غاية العزة والقدرة فلا بد من دار أخرى يظهر منها هذا العدل وهذا الانصاف ، الحصون ص 97 ، وأيضا « من حكمة السلطان الحكيم الرحيم » أن يبعث نفوس رعيته للعطف على الفقراء ليعينوهم بشيء من الأموال على مصالح معاشهم . واللائق بالأغنياء أن تكون تلك الإعانة منهم على وجه الرغبة وانشراح الصدر ، وبذلك يصلح حال الفقراء ، ويندفع عنهم الشقاء ، ويفارقهم الفساد في الجملة . وحيث أن النفوس مفطورة على حب المال ولا تسمح بصرف شيء منه الا إذا وجدت عوضا هو خير منه فكان من حكمة الله أن يحيل دار غير هذه الدار يكافئ فيها بالخير المتصدقين على الفقراء والمساكين ويجازى مانعى الصدقات والزكوات بما يستحقون . فإذا علم الأغنياء بوجود دار أخرى ، وأنهم يكافئون فيها على الصدقة بعشر أمثالها فحينئذ ينفقون على الفقراء والمساكين برغبة وانشراح صدر لما يرجونه من نوال الأجور بل يرغبون أيضا في الصدقات الجارية التي لا تنقطع فيرصدون الأوقات الجسمية ويشيدون للصلوات والأذكار واطعام المساجد والزوايا والتكايا العظيمة ، فينتج عن ذلك من الخيرات ما لا يدخل تحت الحصر ، وكل ذلك عن الرغبة في نعيم الدار الآخرة ، والنجاة من عذابها ، ولولا ذلك لما كان من تلك المآثر الخيرية الا القليل ، الحصون ص 96 - 97 .