حسن حنفي

526

من العقيدة إلى الثورة

الأول ليس موضوعا للتكليف ، ولا يرفضه الشرع رفض الحكماء لحشر الأجساد . يدل عليه العقل والشرع وتؤيده بداهة الوجدان . والحقيقة أن المعاد الروحاني يقوم على تصور ثنائى للعالم ، الحط من شأن البدن والاعلاء من شأن النفس . وهي نظرة متطهرة للعالم ترى المادة شرا والروح خيرا مما يؤدى في أغلب الأحيان إلى رد فعل عكسي . تصبح المادة خيرا والروح شرا كما هو الحال في المذاهب المادية أو تتحول إلى نفاق ورياء عندما يعيش الانسان على مستوى المادة ويتظاهر بأنه يسلك على مستوى الروح . فطالما هناك ثنائية متعارضة لا يسلم الانسان : اما الوقوع في الخلط بينهما بدعوى التمييز ، فيعيش في مستوى المادة مغطيا نفسه بمظاهر الروح وهو النفاق أو تتسرب إليه المادة كلما أغرق في الروح وكأن الصورة لا تعيش الا بمضمون حتى ولو على نحو خفى . وكثيرا ما تنتهى تحليلات الروح إلى وصف للمادة . والتصور الثنائي للعالم تصور طفولى للانسان قائم على ثنائية الخير والشر والثواب والعقاب في حين أن الانسان البالغ العاقل يعمل الخير لذاته ، ويتجنب الشر لذاته دون ما انتظار لثواب أو خوف من عقاب ، دون ما ترغيب أو تخويف . وهذا لا يمنع من حدوث ردود أفعال للأفعال الحسنة أو القبيحة في الدنيا ، في الحال أو في المآل تكون في رأى الناس جزاء أو عقابا ، وهي أفعال متولدة في الطبيعة ومنتجة في التاريخ . والتصور الثنائي يقوم على الكراهية لا المحبة . فالآخر غير قادر على الوصول إلى المعاد الروحاني مثل وصول الأنا ، وهذا ما يعطى الأنا نوعا من السرور والرضا عن الذات في مقابل عذاب الآخر واحباطه . لذلك منع الصوفية العذاب للآخرين عندما أحبوا كل البشر . ومنهم من رغب فداء البشر كلهم بعذابه وحده ، ويصبح الانسان بطلا منقذا ، مركز العالم ، ومحور التاريخ . وفي الوقت نفسه يكون التصور الثنائي للعالم موقفا ماسوشيا يقوم على تعذيب البدن في سبيل اعلاء الروح ، وكلما عذب البدن درجة صعدت الروح درجة ، وكلما اشتد العذاب كما قويت الروح كيفا ، وكلما اشتد العذاب كيفا تجلت الروح وجودا . فآلالم البدني لذة في سبيل سعادة أعظم هي رقى الروح .