حسن حنفي

50

من العقيدة إلى الثورة

على الاطلاق ولكنها تبين أن عقل الصفوة قادر على الاستغناء عنها « 81 » . فبالنسبة للعامة هناك أمور ، خاصة العبادات وأشكالها ، في حاجة إلى نبوة لبيانها إذ لا يستطيع العقل الاهتداء إليها وان استطاع معرفة الحكمة منها وغايتها . ويظل الامر بالنسبة للخاصة أن العبادات وأشكالها لا تكون جوهر النبوة التي هي في حقيقتها معارف نظرية يستطيع العقل أن يصل إليها . قد تكون النبوة ضرورية لعامة الناس الذين لم يتعودوا على ممارسة النظر واعمال العقل ولكنها ليست ضرورية للخاصة الذين تعودوا على النظر وعلى اعمال العقل . وقد ينشأ هذا التعود اما بالطبيعة واما بالاكتساب واما بكليهما معا ، وهو ما أكده الفلاسفة أيضا . ومع ذلك يمكن لعامة أيضا بحسها الشعبي وببصيرتها التلقائية أن تدرك حقائق النبوة خاصة العملية منها مثل المساواة والعدالة وهي الحقائق التي تتوق إليها الجماهير الغفيرة نظرا لما تعانيه من فقر وضنك . فالخاصة بعقولها ، والعامة بضنكها يمكنها ادراك حقائق النبوة . كما يمكن بواسطة نشر التعليم تحويل العامة إلى خاصة فيصبح كل أفراد المجتمع من الخاصة وإذا كان العقل يستطيع أن يعرف كل شيء نظرا وعملا ، عقيدة وشريعة فقد تظل ممكنة لإباحة بعض أشياء يحظرها العقل « 82 » . وإذا كان العقل في غنى عن الرسل فقد كان بامكان الله

--> ( 81 ) يتهم القاضي عبد الجبار بتكذيب البرهمى للأنبياء مثل تكذيب اليهودي لشريعة محمد ، المغنى ج 14 الأصلح ص 160 - 161 ، ص 174 . ( 82 ) وذلك مثل وجوب الصلاة وتقديرها ، والزكاة ونصابها ، وحسن ايجاب الدية العاقلة ، وتقبيل الحجر ، والسعي بين الصفا والمروة ، والهرولة ، ورمى الجمار ، والتمكين في السجود ، وقبح شرب الخمر ، والوطء بغير عقد ولا ملك يمين ، وقبح ترك الصلوات ، كل ذلك يدرك بالسمع ، التمهيد ص 108 - 111 ، وأيضا ذبح البهائم غير المضرة ، وقد وافق المعتزلة البراهمة في دعاء الخواطر إلى النظر والاستدلال وفارقوهم في إجازة بعث الرسل لغرض الدعوة وإباحة ما حظره العقل كذبح البهائم وتسخيرها وايلامها لغرض ادعوه فيها . وعند أبي هاشم لولا ورود الشرع بذبح البهائم وايلامها لم يكن معلوما بالعقل جواز حسنه لأجل الغرض ، الأصول ص 26 - 27 .