حسن حنفي

466

من العقيدة إلى الثورة

جبريل ولا يراه من حوله « 174 » . وهذه الأمثلة ، كلها لا يجوز القياس عليها فالنوم وحالات المرض ورؤية الرسول لجبريل كل ذلك انما يتم أثناء الحياة وليس بعد الموت . ولا يمكن قياس ما يحدث بعد الموت على ما يحدث قبل الموت نظرا لاختلاف الفرع مع الأصل . انما يمكن فقط ارجاع تصورات ما بعد الموت إلى نشأتها في الحياة تعبيرا عن تجربة بشرية ، الرغبة في تجاوز الموت ، وتعدى الانقطاع ، واستمرار الحياة . ومع ذلك تظل الأدلة الغالبة لاثبات عذاب القبر ونعيمه هي الأدلة النقلية المستمدة معظمها من الحديث وليس من مصدر الوحي الأول وهو القرآن . وما ذكر من المصدر الأول تأويل بعيد فالمعيشة الضنك لا تشير إلى عذاب القبر . وما ذكر من المصدر الثاني اما أنه غير متواتر بل مشهور ، والمتواتر منه لا يعنى النار فيه عذاب القبر في الدنيا في حياة القبر بل في الآخرة . وقد يعنى البعض منه تشبيها وتورية وخصوصية للرسول وقدرته على سماع ما لا يسمعه الناس أسوة بالوحي .

--> ( 174 ) اشتهر عن النبي والصحابة الاستعاذة من عذاب القبر والخوف والحذر وقوله مارا على قبرين . . ولا معول لأرباب العقول استبعاد ذلك على أنه غير محسوس من الميت . فمن أدرك بعقله حال النائم في منامه وما يناله من اللذات والتألمات بسبب ما يشاهده من حسن وقبح وما هو عليه من سكون ظاهر جسمه خموده وجوارحه بل وكذا حال المحموم والمريض في حالة انغماره لم يتقاصر فهمه عن درك عذاب القبر ونعيمه . ولا فرق بين أن تكون أجزاء البدن مجتمعة أو مفترقة فان من أسكنه الألم في حالة الاجتماع قادر أن يسكنه ذلك في حالة الافتراق وذلك لا يستدعى أن يكون محسوسا ولا مشاهدا . وعلى هذا يخرج استبعاد سؤاله وجوابه أيضا . ومما يؤكد رفع هذا الاستبعاد ما علم من حال الرسول في حالة الوحي ومخاطبة جبريل له والناس حوله لا يسمعون . وانما كان كذلك لان الاجزاء المستقلة بالفهم والجواب من الانسان انما هي أجزاء باطنة يعلمها الله في القلب فيجوز أن يخلق لها الحياة والفهم والجواب وان كان باقي الجسم معطلا لا يشعر به صاحبه وذلك كما نشاهده ونعلمه من حال النائم والمغمى عليه لصرع أو مرض أو غيره عند مخاطبته أو محاورته لمن يتخيل له فيما هو عليه من حالته . وليس الخطاب لمجرد الروح المفارقة التي أجرى الله العادة بوجود حياة البدن عند مفارقتها والفوات عند فواتها إذ هو مخالف الظواهر الواردة به ولا هو للبدن على هيئته إذ هو مخالف للحس والعيان وذلك محال ، الغاية ص 302 - 305 .