حسن حنفي

23

من العقيدة إلى الثورة

خلال الحواس . وهذه المعاني الزائدة يصعب تأصيلها عقلا وتبقى سمعية خالصة « 43 » . وقد ركز الفلاسفة على النبوة بهذا المعنى الزائد داخل نظرية الاتصال . فقد أراد الفلاسفة أن يجمعوا فيها خواصا ثلاث : أن يكون النبي مطلعا على الغيبيات ما دامت النفوس الانسانية مجردة قادرة على ادراك المجردات ، وأن تظهر منه الافعال الخارقة للعادة ما دام روحه قادرا على التأثير ، وأن يرى الملائكة مصورة ويسمع كلامها وحيا ، نوما أو يقظة « 44 » . والحقيقة أن هذه الخواص الثلاث تجسيد للمعاني الزائدة في النبوة وتصوير لها . فالنبوة ليست غيبية بل حسية تؤكد على رعاية مصالح العباد ، والغيبيات اغتراب عنها . والمعارف النبوية دنيوية حسية تتعلق بشؤون الناس وصلاح معاشهم . كما انها اخراج للنبي عن حدود الطاقة البشرية ، وجعل صدق النبوة خارجيا وليس داخليا وضد قوانين العقل والطبيعة وليس معها . كما أن هذه المعاني الزائدة المشخصة وقوع في الغيبيات واخراج للنبوة من محورها الافقى ، النبوة في العالم ومسارها في التاريخ إلى محورها الرأسى ، النبوة كطريق بين النبي والله ، طريقة للوصول خارج الزمان وخارج التاريخ . ولا يهمنا في النبوة طريقة الايصال ، الوحي أو الرسول أو من وراء حجاب . ولا يهمنا أيضا في النبوة الملك وأنواعه وطريقة قدومه وجرسه وصوته وشكله . ولا يهمنا ثالثا خيال النبي ، وكيف كان يأتيه الوحي نائما أم

--> ( 43 ) الوحي قصد من الله إلى اعلام من يوحى إليه بما يعلمه ، حقيقة خارجة عن الوجوه السابقة ، يحدث علما ضروريا بصحة ما أوحى إليه ، ادراكه بحواسه وبديهة عقله ولا مجال للشك ، بمجيء الملك أو بخطاب يخاطب به نفسه ، تعليم من الله دون وساطة قلم ، الفصل ج 5 ص 87 ، الوحي الكلام بما يخفيه ، اعلام في خفاء ، اعلام الله لنبي من أنبيائه بحكم شرعي ، التحقيق ص 160 - 161 ، عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين بأنه من قبل الله بواسطة أو بغير واسطة ، الرسالة ص 108 - 111 . ( 44 ) المواقف ص 337 - 339 .