حسن حنفي

183

من العقيدة إلى الثورة

طبيعية ، كلام حسى منظوم يعرفه كل متكلم سواء كان أميا أم متعلما يتجه إلى العقل والحس والوجدان للتأثير فيها اقناعا ورؤية وتصديقا . وإذا كانت المعجزة من فعل الله في الطبيعة من خلال الرسول وليس من فعل الرسول مباشرة متوجهة إلى عامة الناس فالاعجاز كلام طبيعي حسى موجه إلى الانسان مباشرة كفرد مستثيرا قدراته على التحدي وبالتالي ينفصل الكلام عن مصدره الأول وعن واسطته الثانية . وإذا كان شرط التحدي هو تكافؤ الفرص ، فكون المعجزة من الله لا يجعل فيها تحديا ولا تكافؤ فرص في حين أن الاعجاز به تحد وبه تكافؤ فرص ، فالكلام في متناول الجميع ، يقدر عليه الكل . وكيف يجارى الانسان الله في المعجزة ؟ لو كانت من الرسول لكان التحدي قائما . وإذا كانت المعجزة القديمة منقطعة بانتهاء عصرها فان الاعجاز باق إلى نهاية الزمان طالما أن هناك انسانا قابلا للتحدى وقادرا على الدخول فيه . وإذا كان من ضرورات المعجزة القديمة صحة تواترها في الماضي فان الاعجاز الجديد يتقضى تحديا مباشرا في الحاضر والمستقبل . الاعجاز اذن تطوير للمعجزة القديمة التي كانت وسيلة الوحي لتغيير بناء الشعور البشرى وتحريره من سيطرة المادة الطبيعية المستغلقة أو من سيطرة السلطان البشرى القاهر . ولما لم تنجح هذه الوسيلة في كثير من الأحيان فهي استبدال خرافة بخرافة كان الشعور يرجع باستمرار إلى طبيعته الأولى بعد أن تغير وكأنه لم يتغير مطلقا . لذلك انتهى دور المعجزة بعد استقلال الوعي البشرى واكتمال الوحي . وتحولت المعجزة الطبيعية القديمة إلى اعجاز الكلام الجديد وتحدى القدرة البشرية على الخلق الأدبي والتشريعي . ومن ثم يكون الاعجاز حافزا مستمرا للشعور على الخلق ودافعا مستمرا للفكر على التحدي « 243 » .

--> ( 243 ) الكلام في سائر معجزات الرسول سوى القرآن وبيان دلالتها على نبوته ، المغنى ج 15 ، النبوات ص 407 ، ولا يفرق القدماء كثيرا بين المعجزات بالمعنى القديم وبين الاعجاز الجديد ويضعون كليهما في باب واحد . وضع القرآن مع باقي المعجزات القديمة ، الفرق ص 326 ،