حسن حنفي

149

من العقيدة إلى الثورة

النبوة يقوم على أسس نفسية في مجتمع الاضطهاد وفي القيادة المضطهدة سواء ادعاها القائد عن سوء نية حتى تتم له السيطرة على الجماعة أو بصدق اعتقاد . فادعاء النبوة في كلتا الحالتين وسيلة يصطنعها القائد لاحداث السمع والطاعة وليس تحولا طبيعيا من الاحساس بالرسالة إلى سماع الهاتف . وقد نشأ الأنبياء الدعاة أو الأئمة الأنبياء في مناطق الكوفة وجوها النفسي ، جو الاستشهاد والّذي يبعد عن جو البصرة وبغداد الّذي يغلب عليه العقل والمنطق . وقد يستعير الامام أو الداعية المتنبي بعض الصور والافعال النمطية من النبوات السابقة . فقد يتمثل المدعى للنبوة حياة النبي وسيرته فيكون حرفيا مثله بائع حنطة أو تبان أسوة بباقي الأنبياء الذين كانوا رعاة ونجارين وحتى تبدو النبوة في أضعف الناس وأبسطهم وأبعدهم عن الهرج والهالة والأضواء « يوضع سره في أضعف خلقه » « 215 » . كما يبدو أثر تاريخ الأديان في بعض الأساطير التي تحيط بهم خاصة وأن القائلين بها كانوا على علم بأساطير مشابهة في دياناتهم التي كانوا يعتنقونها قبل دخولهم في الدين الجديد « 216 » . ولكن ما يمهنا اليوم ليس تكذيب نبوة هذا أو ذاك فهذا أمر لم يعد له دلالة الآن ، ولم يعن لهذه الفرق القديمة وجود . ولا ينتج عن ذلك الا إثارة الأحقاد في وقت تحتاج الأمة فيه إلى وحدتها بين سنة وشيعة خاصة بعد اندلاع الثورة الاسلامية الكبرى في إيران والتأكيد على أن ليس

--> ( 215 ) قالت فرقة من الروافض بنبوة معمر بائع الحنطة بالكوفة . وقالت أخرى بنبوة التبان بالكوفة ، وثالثة ( الخطابية ) شيعة بنى العباس بنبوة عمار الملقب بخداش ، الفصل ج 5 ص 26 - 27 . ( 216 ) هذا ما يفسر نشأة التشيع من حيث هي قوالب ذهنية ونظريات وأساطير ، وليس من حيث هي واقع نفسي اجتماعي سياسي من مصادر دينية أخرى ، خاصة اليهودية ، عن حسن نية أو عن سوء نية . فكثيرا ما تظهر الثقافات الدينية الأولى عند المتحول إلى الدين الجديد في حديثه عن الدين الجديد دفاعا أو تفسيرا . ومثال لذلك حديث بولس في رسائله عن المسيحية دفاعا وتقريظا وظهور جوانب عديدة من ثقافته وديانته اليهودية السابقة في عرضه للدين الجديد . أما سوء النية أو حسنها فهو عامل تاريخي يدخل في حيل التاريخ كجزء من العمل البشرى أي أنه بناء انطولوجى وليس حكما خلقيا .