حسن حنفي

119

من العقيدة إلى الثورة

وقد يتجاوز التفضيل إلى انكار النبوات أو بعضها أو يخف انكارها ويتحول إلى تفضيل . وفي كلتا الحالتين يدل الاختزال أو التفضيل على شعوبية أو قومية ، وتعصب كل ملة لأنبيائها والتضحية بكمال الوحي ووحدته من خلال التطور . ومن الطبيعي أن تعتبر كل ملة نبيها آخر الأنبياء وأن لا نبي بعده أو أن نبيها أفضل الأنبياء وأن لا نبي أفضل منه ، وهو على رؤوسهم يوم القيامة شهيدا عليهم جميعا . وما هو مقياس التفضيل ؟ هل هي طريقة مخاطبة الله للنبي سواء مباشرة أو بواسطة وأفضلية الأولى على الثانية ؟ النبوة الرأسية أي صلة الله بالنبي وطريقة الاتصال به لا شأن لنا بها ولا يمكن معرفتها أو التحقق من صدقها . وما يهمنا هو النبوة الافقية أي صلة النبي بالاجيال التالية وتبليغها الرسالة وحفظها صحيحة تاريخية بمناهج نقل مضبوطة شفاها أم كتابة . وقد تكون الواسطة أفضل لأنها تدل على رقى أعظم من حيث التنزيه لله ودرجة التطور في النبوة ، فالاتصال بلا واسطة يعنى التشبيه ( النار مثلا ) في حين أن الواسطة تعنى التنزيه ( الملك ) . وهل يكون مقياس التفضيل الأبوة والنبوة ونسب الرسول وسلالته ؟ قد يخرج الابن الكافر من الأب المؤمن أو الابن البار من الأب العاق . ولا يكون المقياس المعجزات أو الكرامات كيفا أو كما . فخاتم الأنبياء ليس له معجزات ، وليست المعجزة بالمعنى القديم أي خرق قوانين الطبيعة دليلا على صدقه والا كان عيسى من هذه الناحية صاحب أكبر قدر ممكن من المعجزات . واعتبار خاتم الأنبياء صاحب معجزات بالمعنى القديم هو قراءة للماضى في الحاضر وليس قراءة الحاضر في الماضي ، واسقاط المعنى القديم للمعجزة على المعنى الجديد لها وليس قراءة المعنى القديم للمعجزة وتفسيره بالمعنى الجديد لها . المعجزة الجديدة في الابداع الأدبي الفكري في النظم والتشريع ، في النظر والعمل ، في العقيدة والشريعة . ولا يكون مقياس التفضيل أيضا درجات الثواب ومراتب الجنة التي لم تقع بعد والتي لا نعلم عنها شيئا والتي هي نتيجة للأعمال . ولكن قد تكون مقاييس التفضيل الخصوص والعموم في الرسالة طبقا لمراحل الوحي ، فالمرحلة السابقة للخاصة والمرحلة اللاحقة للعامة . قد تكون درجة الانتشار ومقدار النفع الّذي تحققه النبوة في التاريخ . فكلما كان انتشارها أوسع