حسن حنفي

68

من العقيدة إلى الثورة

والعداوة بعد الفعل وليس قبل الفعل والا كانت أفعال الله غير معللة بسبب أو غاية . وإذا كان الجواب بالنفي اثباتا للحرية الانسانية فما ذا يكون وضع قدرة مطلقة لا تفعل ؟ وان أية محاولة للجمع بين الطرفين لا تؤدى الا إلى تحصيل حاصل . وكذلك السؤال التقليدى الآخر : هل يقدر الله على ما أقدر عليه عباده ؟ إذا كان الجواب بالايجاب فهي محاولة لاثبات القدرة المطلقة على حساب الانسان . أما إذا كان الجواب بالنفي فهو اثبات لحرية الانسان وفي الوقت نفسه أكثر تنزيها لحق مطلق « 119 » . وفي قوة الدفع المتولدة عن اثبات الحرية الانسانية قد ينتهى الامر إلى جعل الإرادة الإلهية تابعة للإرادة الانسانية تسير وراءها وليس أمامها بعد فك الحصار والهرب إلى رحب الفضاء . عندئذ تكون الإرادة الإلهية مثل الإرادة الانسانية محلا للحوادث ليس فقط اثباتا للحرية الانسانية بل أيضا للوجود الانساني ، وأن المعبود ما هو الا سجل لصيرورة البشر ، وأن الفعل الانساني هو الّذي يسطر علم الله ومصدره بصرف النظر عن العلم الإلهي النظري الشامل لكل شيء ومسار الكون دون لحظاته وتقلباته « 120 » .

--> ( 119 ) قال محمد بن عيسى لو ألجأهم إلى الايمان لم يكونوا مؤمنين ولو ألجأهم إلى العدل لم يكونوا عادلين ولو ألجأهم إلى الكفر لم يكونوا كافرين لأنهم أمروا أن يكون الايمان طوعا وأن يتركوا الكفر طوعا فإذا أتوا به كرها وتركوا الكفر كرها لم يكونوا مؤمنين . وقال إن الله غير قادر على أن يخلق جورا لغيره ، مقالات ج 2 ، ص 225 ، ص 206 - 207 ، كما أنكر أهل الاثبات أيضا أن يكون الباري قادرا على أن يضطر عباده إلى ايمان يكونون به مؤمنين ، وكفر يكونون به كافرين ، وعدل يكونون به عادلين ، وجور يكونون به جائرين ، مقالات ج 2 ، ص 255 ، ص 206 - 207 . ( 120 ) عند ابن كرام الله محل للحوادث ، الفرق ص 228 - 229 ، وكان هشام بن عمرو الفوطي يقول إن من هو الآن مؤمن عابد الا أنه في علم الله أنه يموت كافرا فإنه الآن عند الله كافر ، وأن من كان الآن كافرا مجوسيا أو نصرانيا أو دهريا أو زنديقا الا أنه في علم الله أنه يموت مؤمنا فإنه الآن عند الله مؤمن ، الفصل ج 5 ، ص 37 ، قال قائلون من المعتزلة يستحيل أن يقال للانسان مؤمن في حال كونه كافرا . فلما استحال أن يوصف به في حال كونه فمستحيل أن يوصف به قبل كونه ، مقالات ج 1 ، ص 223 .