حسن حنفي

59

من العقيدة إلى الثورة

وهذا كله مجاز وليس حقيقة بل مجرد وسيلة في التعبير « جدارا يريد أن ينقض » « 99 » . واثبات المعبود فاعلا في الحقيقة والانسان فاعلا في المجاز انكار للحرية لأنه يجعل المعبود هو الفاعل الحق والانسان فاعلا بالمجاز . وهذا ما لا تشهد به تجربة ولا يؤيده واقع . فالانسان فاعل في الحقيقة ، وفاعل فعل واع ومسبق حتى ولو تدخلت الظروف الخارجية في ميدان فعله وأثرت عليه ووجهت مساره « 100 » . لا توجد إرادة مطلقة مشخصة هدفها تدمير حرية الانسان واستقلال أفعاله فان المشيئة الإلهية لا تمنع من حرية الافعال . فهي حق نظري وحرية الافعال واقع عملي . بل إن « إبليس » كان حرا في أفعاله واختياره بالرغم من وجود المشيئة المطلقة كحق نظري

--> ( 99 ) عند الكعبي والنظام ليس لله إرادة على الحقيقة . الإرادة هي الفعل ، والفعل هو الامر ، والإرادة في كليهما مجاز . وقد وصف الجدار بالإرادة « جدارا يريد أن ينقض » ، الفرق ص 181 - 182 ، « أو أتينا طائعين » ، اللمع ص 36 . والخلاف من وجوه : أ - مع القدرية الذين منعوا القول بأن الله مريد على الحقيقة كالنظام والكعبي ، الأصول ص 103 ، فقد قال النظام أن الباري ليس موصوفا بها على الحقيقة فإذا وصف بها شرعا في أفعاله فالمراد بذلك أنه خالقها ومنشؤها على حسب ما علم . وإذا وصف بكونه مريدا لافعال العباد فالمعنى به أنه آمر بها وناه عنها . وعنه أخذ الكعبي مذهبه في الإرادة ، الملل ج 1 ، ص 82 ، الأصول ص 90 - 91 ، النهاية ص 238 - 242 ، عند النظام والكعبي أن الله له إرادة على الحقيقة . وإذا قيل أنه أراد شيئا فمعناه أنه فعله وإذا قيل أنه أراد شيئا من فعل غيره فمعناه أنه أمر به ، الأصول ص 146 ، وذهبت الفلاسفة والمعتزلة والشيعة إلى كونه مريد على الحقيقة . وإذا قيل أنه مريد فمعناه عند الفلاسفة لا يرجع الا إلى سلب أو إضافة . ووافقهم على ذلك النجار من المعتزلة حيث أنه فسر كونه مريدا بسلب الكراهية والعلية عنه ، الغاية ص 52 . ( 100 ) عند المعتزلة الا الناشئ الانسان فاعل محدث ومخترع ومنشئ على الحقيقة دون المجاز ، مقالات ج 2 ، ص 197 ، وقال بعض أهل زماننا وهو رجل يعرب بابن الايادي أن الباري عالم قادر حي سميع بصير في المجاز والانسان عالم قادر حي سميع بصير في الحقيقة وكذلك في سائر الصفات ، مقالات ج 1 ، ص 240 ، وكان الناشئ يقول إن الانسان فاعل في الحقيقة ولا محدث في الحقيقة ولا يقول أن الباري سبحانه أحدث كسبه وفعله ، مقالات ج 2 ، ص 168 ، ص 197 .