حسن حنفي

588

من العقيدة إلى الثورة

وهنا يأتي التصور الثالث كرد فعل على التصور الثنائي بشقيه الروحي والمادي ، الإلهي والطبيعي ويعيد إلى الانسان وحدته . فالانسان هو بدن وروح لا فصل بينهما ولا تمايز ، ليس مادة تتحدد بالطول والعرض والعمق وليس روحا طائرة حالة في البدن . الانسان جزء لا يتجزأ ، لا تجوز عليه المماسة أو المباينة أو باقي الاعراض والا لتعدد الانسان وتعددت أفعاله وتكاثرت شخصيته واستحالت المسؤولية الفردية « 327 » . وهو مع ذلك مدبر في العالم وموجود فاعل فيه ، وما البدن الا آلة الفعل الظاهرة منه . ومع ذلك لا يوجد في المكان حقيقة ولا تجوز عليه الحركة والسكون والألوان والطعوم ولكن يجوز عليه العلم والقدرة الحياة والإرادة والكراهة . فالانسان معنى أو جوهر غير الجسد . وهو عالم مختار حكيم . حياته حياة الوعي والشعور وان بدا متحركا ساكنا ، له لون ورائحة . لا يمكن رؤيته ولا لمسه بل ولا وصفه الا ظاهرا . ومع ذلك يظهر في البدن ويتجلى فيه . فالبدن آلته للحركة وللفعل ، والانسان هو المتحكم فيه والمدبر له . حقيقة الانسان في حياة الشعور ، وحياة الشعور تتمثل في الإرادة الواعية أي في الإرادة القائمة على العلم ، وكلاهما تعبير عن الحياة « 328 » . وهنا

--> ( 327 ) هذا هو تصور بعض الروافض مثل هشام بن الحكم . فالانسان اسم لمعنيين بدن وروح ، البدن موات والروح فاعلة لا لآلة حساسة ، نور من الأنوار ، مقالات ج 1 ص 125 ، ج 2 ص 25 - 26 ، الفرق ص 68 ، وهو أيضا رأى بعض المعتزلة . فعند بشر ، الانسان جسد وروح وكلاهما انسان ، الفعال هو الانسان الّذي هو جسد وروح . وعند النظام الانسان ليس بطويل ولا عريض ولا عميق ( رواية ابن الراوندي التي ينكرها الخياط ) ، وعند ابن الراوندي الانسان في القلب وهو غير الروح ، والروح ساكنة في البدن ، الانتصار ص 54 . ( 328 ) هذا هو رأى معمر بن عباد أساسا ويشاركه فيه الصالحي . فعند معمر الانسان شيء غير هذا الجسد المحسوس . وهو عالم قادر ، وليس متحركا ولا ساكنا ولا متلونا . لا يرى ولا يلمس ولا يحل موضعا دون موضع ، ولا يحويه مكان دون مكان . فإذا قيل له : أتقول أن الانسان في هذا الجسد أم في السماء أم في الأرض أم في الجنة أم في النار ؟