حسن حنفي

459

من العقيدة إلى الثورة

لم يكن العقل قبل ورود الشرع صفحة بيضاء بل كان قوة قادرة على التمييز بين الأشياء . وكان غرض الوحي منذ بدايته إلى نهاية كمال العقل . العقل قادر على معرفة الأشياء بلا شرع . والمعرفة ليست غيبا . الشرع مقرر ومثبت لحكم العقل وليس بادئا أو نافيا له . أما أحكام العقل الصادرة عن عاطفة تطهر مثل تحريم ايلام الحيوان فليست صادرة عن طبيعة العقل بل عن مزايدة في الموقف الانساني الوجداني ، ووقوع في الانسانية الفارغة ووضع الانسان على مستوى الطبيعة وليس سيدا لها . لقد تنازع الناس في أمور معقولة قبل ورود الشرع وانتهوا إلى أحكام عقلية . والا فكيف كان يحكم القاضي قبل الشرع بين المتخاصمين ؟ وفيم كانت القوانين القديمة ؟ ألم يدخل كثير من القوانين القديمة في الشرائع الإلهية اما تمثيلا لعدالتها أو اقرارا للأعراف السائدة ؟ « 122 » ان الجدل الّذي قام حول القيم قبل ورود لشرع يثبت موضوعيتها . هناك حقائق عقلية عامة يدركها العقل دون ما حاجة الشرع مثل استحالة الشرك وكل صفات النقص في الكمال . وإذا كانت المعرفة النظرية الخالصة لا يقدر عليها الا العقلاء فان الصور الفنية احدى وسائل التعبير عن الأحوال النفسية والظروف الاجتماعية التي تفرض أشكالها من تأليه وتجسيم وتشبيه إذا كان التنزيه أعلى مراحل التجريد والعقلانية في المعارف النظرية الخالصة « 123 » . ولكن المعارف النظرية الخالصة ليست

--> يتطرق ليها عقل ولا يهتدى إليها فكر . وبمقتضى العقل والحكمة يجب على الحكيم ثواب المطيع وعقاب العاصي الا أن التأقيت والتخليد فيه يعرف بالسمع ، الملل ج 3 ص 124 - 125 . ( 122 ) دخلت كثير من شرائع بابل وآشور وقوانين حمورابي في العهد القديم كما دخلت كثير من الشرائع اليونانية والرومانية في العهد الجديد . وقد أثبت القرآن كثيرا من عبادات العرب قبل الاسلام بعد تهذيبها حتى تتفق مع التوحيد مثل مناسك الحج . ( 123 ) اننا قاطعون بأن العارف بذات الله وبصفاته يقبح منه أن يشرك به وينسب إليه الزوجة والولد وما لا يليق به من صفات النقص