حسن حنفي

444

من العقيدة إلى الثورة

والعجيب أن يتم ذلك في كبرى الحركات الاصلاحية التي قالت بالحسن والقبح العقليين إلى منتصف الطريق ، أشعرية في التوحيد اعتزالية في العدل ، خطوة إلى الامام وخطوة إلى الخلف ، دعوة عملية على دعوة نظرية غير مطابقة . لذلك كبا الاصلاح « 98 » . ان وجود موضوعات قد تتجاوز حدود العقل ، ولا يتناولها العقل لا يطعن في العقل وقدرته على ادراك الحسن والقبح في الافعال . فهما في الافعال وليسا في المعتقدات ، في السلوك وليسا في النظريات ، في الحسيات وليسا في المجردات ، في هذه الدنيا وليس في العام الآخر . ولما ذا تكون العبادات مثل النظريات والعقائد والأخرويات خارجة عن حدود العقل ؟ إذ لا يوجد في العبادات شيء لا يعرف وجه الفائدة فيه

--> ( 98 ) أنظر بحثنا « كبوة الاصلاح » الندوة العلمية لكلية الآداب ، جامعة الرباط ، 1983 ، وهذه دعوة محمد عبده إذ يقول « لهذا كله كان العقل الانساني محتاجا في قيادة القوى الادراكية والبدنية إلى ما هو خير له في الحياتين ، وإلى معين يستعين به في تحديد أحكام الاعمال وتعيين الوجه في الاعتقاد بصفات الألوهية ومعرفة ما ينبغي أن يعرف من أحوال الآخرة . وبالجملة في وسائل السعادة في الدنيا والآخرة . . . وذلك المعين هو النبي . . . النبوة تحدد ما ينبغي أن يلحظ في جانب واجب الوجود من الصفات وما يحتاج إليه البشر كافة من ذلك . . . فوجوب المعرفة على هذا الوجه المخصوص وحسن المعرفة وخطر الجهالة أو الجحود بشيء مما أوجبه الشرع في ذلك وقبحه مما لا يعرف الا من طريق الشرع معرفة تطمئن بها النفس ولو استقل عقل بشرى بذلك لم يكن على الطريق المطلوب من الجزم واليقين والاقتناع الّذي هو عماد الطمأنينة . فان زيد على ذلك العرفان على ما بينه الشرع يستحق المثوبة المعينة فيه وهذا يستحق العقوبة التي نص عليها وكانت طريقة معرفة الوجوب شرعية محضة . . . غير أن ذلك لا ينافي أن معرفة الله على هذه الصفة حسنة في نفسها وانما جاء الشرع مبينا للواقع ، فهو ليس محدث الحسن ونصوصه تؤيد ذلك . . . تبين النبوة الحسن والقبح بمعرفته بل طريقة معرفته شرعية وهو لا ينافي أن يكون المأمور به حسنا في ذاته بمعنى أنه مما يؤدى إلى منفعة دنيوية أو أخروية . . . وقد يكون من الاعمال ما لا يمكن درك حسنه ومن المسيئات ما لا يعرف وجه قبحه وهذا النوع لا حسن له الا الامر ولا قبح له الا النهى » ، الرسالة ص 79 - 82 .