حسن حنفي

442

من العقيدة إلى الثورة

التغيير والتبديل درجة قلب الحق باطلا والباطل حقا ، وقلب الحلال حراما والحرام حلالا بمجرد تغيير إرادة الشارع ؟ ذلك بالضبط ما يحدث في مجتمعاتنا الحالية عندما تسن القوانين وتبدل بإرادة الشارع دون أن تؤسس في العقل أو في الطبيعة ودون ابتغاء مصلحة أو اتقاء مفسدة . فإذا ما اكتمل الشرع بعد أن يتحقق في الواقع أصبح تعبيرا عن العقل والطبيعة ، وثابتا بثباتهما « 94 » . قد يكون العقاب وحده هو الّذي يرد به الشرع أي جزاء الفعل القبيح أما الثواب على الفعل الحسن فلا يحتاج إلى ورود الشرع ويمكن معرفته بالعقل قبل ورود الشرع . فالعقل لا يقر بالعقاب على الفعل القبيح وكأن العقاب كالثواب ينشأ من طبيعة الفعل . الثواب على الحسن بالطبيعة والعقاب على القبح بالشرع « 95 » . ولما ذا يكون اثبات الشرع وحاجة الانسان إلى النبوة على حساب العقل وابتداء من حدوده ؟ ان اختلاف قوى الانسان ، الذاكرة والتخيل والتفكر بين الشدة والضعف لا تعنى حاجته إلى من يقويها فإنها من سمات الانسان . وقد تكون على هذا النحو أحد مظاهر قوته وأعمال

--> ( 94 ) قال أصحابنا كل ما ورد به الشرع من صلاة وزكاة وصوم وحج وغير ذلك فقد كان جائزا ورود الشرع بالزيادة فيه وبالنقصان منه . ولذلك لو أباح الشرع ما حرمه وحرم ما أباحه كان جائزا وانما خص الله الشريعة بما استقرت عليه لأنه أراد ذلك ولا مدخل في تقدير شيء من العقل . وعند القدرية ما أوجبه الشرع لم يكن جائزا سقوطه ، وما اسقط لم يكن جائزا ولا الزيادة فيه ولا النقصان منه ، الأصول ص 149 . ( 95 ) يعطى الأشاعرة عدة أدلة نقلية على أن الحسن والقبح شرعيان منها « وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا » . فلو كان حسن الفعل مدركا بالعقل لزم تعذيب تارك الواجب ومرتكب الحرام ورد الشرع أم لا بناء على ما هو عند المعتزلة من وجوب تعذيب العاصي إذا مات غير تائب . واللازم باطل ، التحقيق ص 143 ، المقصود أن المعرفة قد وجبت بالشرع لا بالعقل وليس المقصود تقييد التكليف بالشرع وهذا مذهب الأشاعرة ، فمعرفة الله وجبت بالشرع وكذلك سائر الأحكام إذ لا حكم قبل الشرع لا أصليا ولا فرعيا . وقد قيل شعرا : فكل ما كلف شرعا وجبا * عليه أن يعرف ما قد وجب