حسن حنفي
381
من العقيدة إلى الثورة
وتحرير الفعل الانساني من نطاق الفرض إلى نطاق الاختيار ، ومن ميدان الضرورة إلى ميدان الحرية . ولا ينشأ الجبر الا إذا تخلى الانسان عن وجوده الّذي هو حريته . ولا ينشأ الطاغية الا إذا تخلت الجماعة عن حريتها التي هي وجودها . صحيح أن هناك صلة بين الحرية والخبز عامة وشائعة الا أنها ليست صلة حتمية . قد يتنازل الانسان عن الخبز ولا يتنازل عن الحرية « 681 » . فالوعي مملكة الانسان ، مهما كانت هناك من تحديدات خارجية له الا أنه يظل فعل الانسان الحر واختياره الأول . ويستطيع الانسان أن يمارس حريته بعدد من الصور . ومهما تعددت العقبات أمامه فان الحرية تظل ممارسة لا تغيب عنه أبدا الا برغبة في النكوص أو تبريرا لضعف أو هروبا من موقف أو تخليا عن رسالة . الممارسة المثلى للحرية هي الممارسة لها في أكمل صورها ، ممارسة فعلية بالعمل لتغيير الواقع ، والجهر بالقول ، وتمثل الشعور المستمر للغاية . فان استحال العمل في الواقع لوجود موانع بدنية أو لصعوبة الحركة مارس الانسان حريته بالقول الجهور ، ونشر الوعي ، وإيضاح ضرورة التغيير . يكون الحق على الأقل واضحا على مستوى النظر . وإذا انتشر النظر وضح الفصم بين النظر والواقع فظهرت ضرورة الفعل لتجاوز هذا الفصم والتوحيد بين النظر والعمل ، بين المثال والواقع . إذا صعبت حرية العمل ، وقامت العقبات ، واستحالت الحركة فان الحرية تمارس بالقول ورفض الواقع بالكلمة . فإذا صعبت حرية القول أيضا ، وقامت العقبات أمام حرية التعبير تمارس الحرية بالشعور ، ويظل الشعور حرا باحساساته وعواطفه وانفعالاته ، فالشعور مملكة الانسان الخاصة التي لا تستطيع العقبات الخارجية أن تنال منها . ولا تضمر حرية الشعور الا إذا خفت البواعث واضمحلت الغاية وخفت الطاقة . فان ضاعت حرية الضمير ضاع الانسان ، وعدم الوجود ، وانتهت الغائية ، وتحولت إلى تناقض أو عشوائية ، وانتهى كل شيء « 682 » .
--> ( 681 ) وهذا طبقا للحديث المأثور « تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها » . ( 682 ) وهذا طبقا للحديث المشهور « من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ، وهذا أضعف الايمان » .