حسن حنفي
257
من العقيدة إلى الثورة
السببية وحتمية قوانين الطبيعة . ثم يمتزج ذلك كله بالتصوف عند المتأخرين فيتحول إلى مجرد توكل بالرغم من أن مباحث العلة والمعلول من الأمور النظرية العامة في نظرية الوجود عند المتقدمين . وبدلا من أن يرتبط الاكتساب بالعلية تم القضاء على الأسباب العادية والغاء تأثيرها . وعاد علم أصول الدين سنيا أشعريا ، وانتهى موضع خلق الافعال والتولد مع انتهاء الاعتزال . فالله هو الفاعل لكل شيء ، ولا توجد علاقة ضرورية بين العلة والمعلول أو بين السبب والمسبب . ويكفر كل من يقول بالسببية والعلية وفي مقدمتهم الفلاسفة أهل الضلال ! بل رفض المتأخرون من الأشعرية اعتراف المتقدمين منهم بالتأثير بقوة أودعها الله في العباد وفي الأشياء ، وكأن دليل التمانع يثبت الآن وحدانية الافعال كما كان يثبت من قبل وحدانية الذات أو الصفات مما يدل على أن مسألة الحرية هي احدى تعينات الإلهيات « 498 » . انتهى نفى الأسباب إلى الوقوع في التوكل والحاق الكسب
--> ( 498 ) والأسباب العادية لا تأثير لها كالطعام والشراب والثواب والجدار والنار والسراج والشمس والقمر ونحو ذلك . أقل الطعام يخلق الله الشبع ان شاء والطعام ليس له تأثير . وعند شرب الماء يخلق الله الري ان شاء والماء ليس له تأثير . وعند لبس الثوب يخلق الله الستر والثوب ليس له تأثير . وعند الجدار يخلق الله الظل ان شاء والجدار ليس له تأثير . وعند النار يخلق الله الاحراق ان شاء والنار ليس لها تأثير . وعند السراج والشمس يخلق الله الضوء ان شاء والسراج والشمس والقمر ليس لهم تأثير . الجامع ص 22 ، لا تأثير للأمور العادية في الأمور التي اقترنت بها . فلا تأثير للناس في الاحراق ولا للطعام في الشبع ولا للماء في الري ولا في انبات الزرع ولا للكواكب في انضاج الفواكه وغيرها ، ولا للافلاك في شيء من الأشياء ، ولا للسكين في القطع ، ولا لشيء في دفع حر أو برد أو جلبهما أو غير ذلك لا بالطبع ولا بالعلة ولا بقوة أودعها الله فيها بل التأثير في ذلك كله لله وحده بمحض اختياره عند وجود هذه الأشياء . أما أهل الضلال من الفلاسفة فيقول بتأثير الطبع أي الطبيعة أو تأثير العلة . الأولى ليس فيها اختيار ، والثانية بها اختيار . الأولى توقف على الشرط والمانع ، والثانية علاقة ضرورية بين العلة والمعلول . « ولا شك في كفرهم عند المسلمين ! » . والحاصل أن الفاعل بحسب الفرض والتقدير ثلاثة : فاعل بالطبع ، وفاعل بالعلة ، وفاعل بالاختيار . والثالث كالانسان عندهم . « وأما المسلمون فلم يقولوا الا بالأخير ثم هو مخصوص بالواحد القهار . ومن يقل من أهل الزيغ أن هذه