حسن حنفي

166

من العقيدة إلى الثورة

ان تثبت شيئا في الواقع . ان جعل المؤله المشخص قادرا على ما يقدر عليه الانسان يجعله أيضا مكتسبا بالافعال ما دام الانسان مكتسبا لها ، وهو ما ينافي عواطف التعظيم والاجلال . وليس هناك من يقدر الانسان على فعله الا قدرته وباعثه وفكره وغايته . فتلك هي العوامل التي تكون فعله ، ولو كانت قدرته مستمدة من غيره لما كان قادرا بذاته أو فاعلا بذاته ولما كان صاحب فعله ولما كان السؤال ذاته قد وضع . ويكون السؤال الآن : ما الغاية من الفعل الانساني ؟ اثبات قدرة الانسان أم اثبات قدرة غيره ؟ وأي القدرتين في خطر إذا نيل منها ؟ وإذا كانت قدرة الذات المشخص شاملة قادرة على كل شيء فلم الحاجة إلى اثباتها ونفى قدرة الانسان التي لا تستطيع أن تفعل أمامها شيئا أو تبقى لحظة واحدة ؟ ان عدم قدرة الانسان على كل شيء لا تعنى أن هناك قدرة أعظم تقدر على ما لا يقدر عليه الانسان . فالقدرة الانسانية لها مداها وهو مدى الفعل ومدى القدرة . يقدر الانسان على تغيير بناء الواقع الاجتماعي ، ففعله فعل انساني حيوى وليس فعلا طبيعيا . ولا يعنى عدم قدرة الانسان على تحريك الجبال أو اغراق الكون عدم قدرته على الافعال لان القدرة لها مستواها ومداها . مستواها هو البناء الاجتماعي ومداها هو الأثر . لا يستطيع الانسان أن يغير من قوانين الطبيعة ، أن يجعل الحر باردا أو البارد حارا أو المؤلم ملذا أو الملذ مؤلما أو أن يسقط الحجر إلى أعلى أو أن يعيش السمك خارج الماء . ان الطبيعة ، سواء كانت الطبيعة الخارجية أم الطبيعة الانسانية ، واحدة لها بناؤها . يمكن تصور المؤله قادرا على تغيير قوانين الطبيعة وقلب الحجر ذهبا والعصا ثعبانا ولكن ذلك تخيل وانفعال ، وفكر بالتمنى ، اما تعويضا عن عجز أمام الطبيعة أو تخويفا برهبة السلطان . ومع ذلك يستطيع الانسان من خلال العلم السيطرة على مظاهر الطبيعة واخضاعها لإرادته . يمكنه حينئذ أن يطير في الهواء بالآلة وأن يسير فوق الماء بالآلة وأن ينزل إلى قاع المحيط بالآلة أيضا طبقا لقوانين الطبيعة وليس خرقا لها . يمكنه أن يهبط المطر وأن يجعل الحر باردا والبارد حارا بالتبريد والتكثيف . وأن يحول الحجر ذهبا بالضغط والعصى ثعبانا بالكيمياء . فلا حدود لقدرة الانسان على الطبيعة . ووضع الحدود أمامه