حسن حنفي
162
من العقيدة إلى الثورة
حق ونصفه باطل . صحيح أن اثبات الحرية يقتضي بالضرورة اثبات العقل والتمييز ووجود الحسن والقبح صفات موضوعية في الأشياء ولكن ذلك لا يعارض الوحي لان الوحي هو العقل والواقع ، هو القدرة على التمييز . وهو قيم موضوعية وصفات في الأشياء . وهي حجة في نهاية الامر تخرج من موضوع خلق الافعال إلى موضوع الحسن والقبح ، وتحل مسألة بالإحالة إلى مسألة أخرى ، وتثبت شيئا بشيء آخر يحتاج إلى اثبات . فكون الوحي مصدر صفات الأشياء وليس العقل موضوع آخر يحتاج إلى اثبات في مسألة أخرى هي مسألة العقل والنقل أو العقل والسمع أو الحسن والقبح « 275 » . حتى ولو كان اثبات الحرية يتضمن اثبات العقل وأنه مصدر صفات الأشياء والتمييز بين الحسن والقبح كأساس للفعل الحر المختار فما العيب في ذلك ؟ هل لان العقل أساس الفعل الحر المختار يلغى هذا الفعل ويثبت الجبر ؟ يبدو أن اثبات الجبر يتضمن بالضرورة الغاء العقل لان الجبر في الافعال والاسرار في الافهام شيء واحد . ان اثبات حرية الفعل للانسان لا تعنى تغيير صفات الأشياء لان الحرية قائمة على وجود صفات موضوعية في الأشياء يدركها العقل تجعل الفعل حسنا لصفات فيه وقبيحا لصفات فيه كما أن الفعل في ذاته حسن وقبيح . ان انكار الحرية يقتضي بالضرورة انكار الحسن والقبح كصفتين في الافعال يدركهما العقل « 276 » . لا حرية بلا عقل ، ولا عقل بلا حرية . وكل اثبات لأولوية النقل على العقل هو قصد نحو اثبات الجبر والغاء الحرية ، وكل اثبات للجبر هو قصد نحو الغاء العقل . لذلك قام العدل على ركنين رئيسيين : اثبات الحرية والعقل ، اثبات الانسان الحر والانسان العاقل .
--> ( 275 ) لو تعلقت هذه التصرفات بنا من جهة الحدوث لوجب تعلقها بنا على سائر صفاتها التي هو كونها شيئا وعرضا وحسنا وقبيحا ، ومعلوم خلافه ، الشرح ص 373 ، انظر أيضا الفصل الثامن عن العقل والنقل . ( 276 ) لو كان العبد محدثا لافعاله لصح أن يتصرف فيجعل الايمان كفرا والحسن قبيحا ، المحيط ص 418 - 419 .