حسن حنفي
158
من العقيدة إلى الثورة
خير كله ؟ ولما ذا يحدث خاطر الاقدام من الخارج وخاطر الاحجام من العالم ؟ وهنا تكون الطبيعة فاسدة لأنها لا تقدم على فعل بل تحجم عن كل فعل ويبقى السؤال : كيف يصدر عن المؤله المشخص ، وهو خير كله ، الشر في العالم ؟ أما إذا كان الخاطر ان من الخارج ، الاقدام والاحجام معا فهنا لم يعد يبقى شيء للانسان بل إن الانسان نفسه لم يعد موجودا . فالخاطر ان من الخارج وما هو الا آلة . أما الخاطر الّذي يأتي بفعل خارجي حتى يعين الانسان على الاتيان بفعل تكرهه النفس وتعافه فهو الغاء وضع خاطئ بمثله . فالفعل الّذي تكرهه النفس لا يمكن أن يكون أمرا فأوامر الوحي كلها طبيعية ، تعبر عن طبيعة الذات في حال كمالها . حتى ما يظن أنه صعب على النفس الاتيان به ما أسهله عليها لو توفر الباعث عليه . وعلى فرض أن النفس تأتى بأفعال تعافها وتكرهها كيف يأتي العون من الخارج ؟ كيف يأتي المؤله المشخص ليصحح وضعا خاطئا كان من السهل أولا عدم ايجاده ؟ كان من الممكن أن يأمر بفعل تحبه النفس وتميل إليه بدل أن يأمر بفعل تعافه النفس ثم يخلق الدواعي للعون عليه ! قد يحدث أن يأتي الانسان بفعل مكرها عليه ولكنه في هذه الحالة لا يكون فعلا حرا ، ولا يعبر عن طبيعته لأنه يفعله رغما عنه بلا شوق أو فرح وبلا ارتياح أو حماس . حتى لو أتى الانسان به فإنه قادر على أن يأتي بفعل حر ، وبإرادته المستقلة ، وفي هذه الحالة يصبح الانسان نفسه موضوعا للإرادة أو مقدورا للقدرة . ان جعل خاطر الاقدام من النفس بطبعها يمنع كونه بفعل خارجي . ولكن النفس ليست عالما قائما بذاته بل هي وجود اجتماعي ، وما يجعلها تقدم أو تحجم هو باعث اجتماعي . أما إذا تشخص الخاطران ، وأصبح داعى الاحجام شرا مشخصا وداعى الاقدام خيرا مشخصا يصبح الانسان لعوبة بين شخصين ، كل منهما يود أن تكون الغلبة عليه . وسواء غلب هذا أم ذاك فالانسان في كلتا الحالتين هو الخاسر لأنه هو الفاقد حريته ، المسلوب ارادته ، يفعل فيه ولا يفعل . لذلك قد ينكر البعض الخاطر كلية . ويكون الانكار في هذه الحالة انكارا للخاطر بفعل خارجي ، ويكون الخاطر حينئذ هو الباعث النفسي أو الدافع على الفعل الّذي ينشذأ من موقف نفسي واجتماعي « 269 » .
--> ( 269 ) يثبت الخاطر جل الأباضية والنظام وبشر بن المعتمر وأبو الهذيل وجعفر بن مبشر وابن الراوندي وينكره آخرون ، مقالات ج 2 ص 102 .