حسن حنفي

153

من العقيدة إلى الثورة

والمحدث هو الانسان المشاهد . الايجاب هنا ليس ايجابا خارجيا بل هو ايجاب القصد « 263 » . وحتى إذا احتاج الفعل إلى مرجح فلما ذا لا يكون المرجح من الانسان ، ويكون هو الباعث الأقوى حسب شمولية الفكر والقصد والغاية ؟ ولما ذا يحتاج المرجح إلى مرجح ، وهذا إلى ثالث حتى تتسلسل المرجحات إلى ما لا نهاية ؟ ان المرجحات كلها ترجع إلى الموقف الانساني الّذي هو مصدر البواعث كلها ، وهو مصدر مباشر لا يحتاج إلى تسلسل . ولما ذا الانتهاء إلى مرجح مرجوح بنفسه لا يحتاج إلى مرجح آخر إذا كان الموقف الانساني هو مصدر كل البواعث ؟ هنا يكون الخطأ في العقل نفسه الّذي تلاشى تحت عواطف التأليه ثم استخدمته في التعبير عن نفسها بالفكر اللاهوتي القائم على التسلسل والرجوع إلى الوراء لاثبات حلقة أخيرة ليس وراءها حلقات أخرى . ومن ثم يقضى على الفكر لحساب الانفعال وعلى تحليل الواقع رجوعا إلى الوراء . ويستعمل دليل التمانع لاثبات وحدانية الله في الفعل لاثبات الكسب . فهو اذن فكر ديني إلهي مقلوب . وإذا جاز هذا الدليل بالنسبة لاثبات مؤله مشخص واحد من عواطف التأليه فإنه لا يجوز بالنسبة لفعل الانسان لان الموقف مختلف . فلما ذا يوضع الفعل الانساني وفعل المؤله المشخص على طرفي نقيض ، إذا تحقق أحدهما لم يتحقق الآخر ؟ أليس الأولى بالخالق والمخلوق اتفاق مرادهما كما هو أولى بالآلهة ؟ وهل يجوز تصوير الفعل الانساني وفعل الآخر في علاقة تحد مثل متسابقين في حلبة سباق ؟ وحتى على فرض صلة التعارض لما ذا لا يكون الفعل الانساني هو المتحقق لأنه هو الفعل المراد والمقصود المروى ، وهو الفعل الثابت بالحس والمشاهدة

--> ( 263 ) لذلك قالت المعتزلة : ان فعل العبد لو كان بخلق الله لما كان متمكنا من الفعل البتة لأنه ان خلقه الله فيه كان واجب الحصول ، وان لم يخلق الله فيه كان ممتنع الحصول ، ولو لم يكن العبد متمكنا من الفعل والترك لكانت أفعاله جارية مجرى حركات الجمادات . وكما أن البديهية جازمة أنه لا يجوز أمر الجماد ونهيه ومدحه وذمه وجب أن يكون الامر كذلك في أفعال العباد . ولما كان كذلك باطلا علمنا العبد موجد ، المحصل ص 142 ، وقالت أيضا : عند حدوث الداعية يصير الفعل أولى بالوقوع ، ولا ينتهى إلى حد الوجوب ، معالم ص 73 .