عبد القاهر بن طاهر البغدادي
94
الملل والنحل
التسفل ، ومحال ان يصير الميت الثقيل حيا خفيفا ، وان يصير الحي الخفيف ثقيلا ميتا . ثم إن النظام فسر هذه البدعة : فإنه قال إن الحيوان كله جنس واحد « 1 » ، لا يفارقه في توليد الادراك ، فزعم أن الجنس الواحد لا يكون منه عملان مختلفان ، كما لا يكون من النار تبريد وتسخين ، ولا من الثلج تبريد وتسخين . وهذا تحقيق قول الثنوية ان النور يفعل الخير دون الشر ، وان الظلام يفعل الشر دون الخير ، وان الفاعل الواحد لا يفعل فعلين متضادين ، كما لا يكون من النار ولا من الثلج تبريد وتسخين معا . وأعجب من هذا انه صنف / كتابا على الثنوية والزمهم فيه استحالة مزاج النور والظلمة إذ « 2 » كانا عنده مختلفين في الجنس والعمل ، وكانت جهات حركتيهما مختلفة . ثم زعم أن الروح تداخل الجسد ، وهي خفيفة ، تتحول بطبعها إلى فوق ، والجسد ثقيل متحرك إلى أسفل . والمداخلة في المختلفين ابعد من المجاورة والمزاج بينهما . والفضيحة الخامسة قوله بان النار من شأنها انها تعلو كل شيء « 3 » ، وانها إذا سلمت من الشوائب ( الحابسة ) « 4 » لها في هذا العالم ، علت وجاوزت السماوات والعرش ، إلى « 5 » ان يلقاها من جنسها ما يتصل به . فلا تفارقه . وكذلك قال في الروح ، إذا فارق الجسد ارتفع وأحيا ، وهذا معنى قول الثنوية ان الذي شاب من اجزاء النور بأجزاء الظلمة « 6 » إذا انفصلت منها وارتفعت إلى عالمها ، فإن كان / ثبتت النار والروح عالما تخلصان إليه بعد الانفصال ، فهو ثنوي .
--> ( 1 ) في المخطوط : فأن - في كتاب الفرق الكلام من : « فان قال إن الحيوان كله جنس واحد . . . إلى آخر الفقرة » هو الفضيحة الخامسة ( بدر ص 120 ، الكوثري ص 83 ، عبد الحميد ص 137 ) بينما هنا ألحق هذا الكلام بالفضيحة الرابعة . ( 2 ) في المخطوط : إذا . ( 3 ) الكلام هنا خاص بالفضيحة السادسة في كتاب « الفرق » ( بدر ص 120 ، الكوثري ص 83 ، عبد الحميد ص 137 ) . ( 4 ) جاء في المخطوط « الخامسة » . ( 5 ) في المخطوط : الا . ( 6 ) « إذ الذي شاب من اجزاء النور باجزاء الظلمة إذا انفصل منها ارتفع إلى عالم النور » كما جاء في كتاب « الفرق » ( بدر ص 121 ، الكوثري ص 283 ، عبد الحميد ص 127 ) . ولكن جاء في المخطوط هنا : ان الذي شاب من اخر النور بأجزاء الظلمة .