عبد القاهر بن طاهر البغدادي
122
الملل والنحل
قم صلّ واسترح . قال : انا مستريح ان تركتني . فكان من حق الجاحظ ان يستر على عيب أستاذه ومواقفه في المعارف . غير أن اللّه تعالى أراد انطاقهم بفضائحهم « 1 » . ومن بدع ثمامة سيئات ، أحدها قوله ان المعارف كلها ضرورية / ، وان من لم يضطر إلى معرفة اللّه تعالى فليس مأمورا بها ، وانما خلق للعبرة والسخرة كسائر الحيوان الذي ليس بمكلف . ولهذا زعم أن عوام اليهود والنصارى والزنادقة يصيرون في القيامة ترابا ، لان من لم يكن مأمورا لم يستحق ثوابا ولا عقابا . فاعتذر الخياط بان قال إنه كان يرى تخليد اليهود والنصارى والزنادقة وسائر الكفرة في النار ، غير أنه كان لا يوقع هذه الأسماء الا على من خلق اللّه المعرفة الضرورية ونصحه دينه . - والكفرة عندهم العارفون بما أمروا به ، ونهوا عنه ، القاصدون إلى الكفر باللّه تعالى ، والمعصية له . فيقال له : أخبرنا عن عامة الدهرية ، هل عرفوا اللّه ضرورة ؟ وعن عامة اليهود والنصارى ، هل عرفوا صحة نبوة نبينا صلى اللّه عليه وسلم بالضرورة ؟ فان قالوا : قد / عرفوا كل ما دل عليه العقل والشرع بالضرورة . فان قالوا : قد عرفوا كل ما دل عليه العقل والشرع « 2 » ثم جحدوا ذلك لم ينفصل . فمن قال إن الثمامية قد عرفوا فساد قولهم وصحة قول من أكفرهم ضرورة ، فهم الذين يصيرون عند ثمامة ترابا . فلا معنى لانكار الخياط هذا التشنيع على ثمامة « 3 » . والبدعة الثانية قوله بان الافعال المتولّدة لا فاعل لها ، وهذا تجرء إلى نفي الصانع ، لأنه لو صح وجود فعل بلا فاعل ، لم يكن حينئذ في الافعال دلالة على فاعلها ، كما أن من أجاز كتابة لا من كاتب ، وبناء لا من باني ،
--> ( 1 ) الكلام : « فكان من حق الجاحظ . . . بفضائحهم » غير وارد في كتاب « الفرق » . ( 2 ) لا شك في أن هنا تكرارا لهذا الجملة : « قد عرفوا . . . العقل والشرع » . ( 3 ) هنا الكلام الخاص بمصير اليهود والنصارى أوسع مما جاء في كتاب « الفرق » ( انظر كتاب الفرق ط . بدر ص 157 ، الكوثري ص 103 ، عبد الحميد ص 172 ، مختصر الفرق ص 115 ) .