السيد الطباطبائي ( تعريب : جواد علي كسار )
50
مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي
وفي مقابل أولئك نجد فئة ثانية من الناس ، هي بلا شك ثلة قليلة جدا ، أدركت بتأملها في حقيقة هذا العالم ، انّ الحياة لا تدوم وانّ كل لذة مقرونة بمئات الآلام والغصص ، وكل سرور مقرون بمئات الأحزان ، وكل ثروة وكسب يجرّان إلى مئات الهموم والغموم ، وبالتالي فانّ كل وصال منتهي إلى فراق ، وكل صحة إلى مرض ، وكل حياة إلى موت . ثم أيقنوا ان وراء سجن الحياة هذا وسرابها الخادع الزائل ، ثمة عالم ابدي لا تعب فيه ولا نصب ، بل سرور دائم هو من نصيب المحسنين والأحرار . اثر ذلك ، عزف هؤلاء عن الدنيا وما تزخر به من مباهج واحزان ، وركنوا في جانب من الحياة بعد ان فتحوا لأنفسهم نافذة تطل بهم على عالم الأبدية بما يزخر به من جمال وكمال غير متناهيين ، فملئوا بذلك آفاقهم ، وكانت لهم فيه السلوة والعزاء . انّ هاتين الطائفتين موجودتان في عصرنا الراهن ، ويشهد التأريخ على وجودهما في كل العصور السابقة . وفي ذلك الدليل القاطع الذي يثبت انّ الانسان مجبول بفطرته على تصديق صحة المسارين وحاجته إليهما ، بل وانّه ملزم بطي الطريقين - نهج الحياة المعنوية والمادية - إذ لا خيار له سوى ذلك . فإذا قدّر للانسان ان يغلق عليه أفق الحياة الاجتماعية وينكفئ على ذاته ، فعليه - بلا شك - ان يودّع الحياة ويتخلّى عن جانبها المادّي ، وبذلك ينسدّ مسار الحياة المعنوية نفسها . أما إذا ترك الجانب المعنوي في الحياة ، فانّ مقتضى ذلك ان يتخلّى عن عقله وادراكه اللذين يتميّز بهما عن سائر الحيوانات ، ويتغاضى عما تمليه عليه واقعيته ، فيكون بذلك رديفا للحيوان !