السيد الطباطبائي ( تعريب : جواد علي كسار )
43
مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي
أثر الرؤية الكونية في سلوك الانسان وبذلك تنبع الكيفية التي يختارها الانسان في تكييف فعالياته المنظمة من حقيقة رؤيته الكونية ومن نظرته لموقعه في هذه الرؤية . من هنا نجد ان تلك الفئة التي تصدر من تصور يفضي إلى انكار الخالق وينسب وجود العالم للصدفة ، وتنطلق من تصوّر يحصر الانسان بهيكله المادي وحسب - حيث تؤرخ لوجود الانسان وفنائه ما بين الولادة والموت - تقيم حياتها وتنظمها بحيث تلبّي الاحتياجات المادية لحياة دنيوية عابرة ، ولا تقيم حسابا سوى للسعادة في اطارها المادي . هذا الامر ينطبق على جميع القائلين باصالة المادة وأصالة الحياة المادية كما هو مشهود . أما الفئة التي تكل الكون إلى خالق حكيم مدبّر يأخذ بيده تدبير العالم والبشر بحكمته ، فإنها لا تنظر إلى الانسان في حدّه المادي وحده ، وانما تقيم تنظيمها للحياة بما يكفل رضا الخالق ( جلّ وعلا ) وينجي من غضبه وعذابه ، وبما يحقق لها السعادة في الحياة ويجعلها بمأمن من نقماته وغضبه ( سبحانه ) . انّ الانسان الذي يعتقد بدين التوحيد وان للخلق والمخلوقين ربا واحدا عالما قادرا ، وانّ للانسان حياة خالدة بحيث لا ينتهي وجوده بالموت ، سيقوم حتما بتنظيم حياته بكيفية تفضي إلى سعادته في الدارين ( قبل الموت وبعده ) . وبهذا يتضح انّ الدين هو نهج الحياة ، وان ليس هناك فصل بين منهج الدين ومنهج الحياة . وبه يتبيّن خطأ أولئك الذين يقدمون اصالة الحياة ويعطون للدين جنبة هامشية ( تشريفاتيه ) ولأحكامه موقعا ضئيلا في الحياة .