القاضي عبد الجبار الهمذاني

94

المغني في أبواب التوحيد والعدل

قيل له « 1 » : ومن أين أنه مثل الأحكام ؟ وهلا كان بمنزلة تولية الأمراء الّذي « 2 » لم يؤمن منهم وقوع السهو والغلط ؟ لأن الملتمس بذلك القيام بمصالح الدنيا على ما قدمناه ، وهو بمنزلة الرأي في الحروب ، وذلك أنه لا يمتنع أن يقع منه عليه السلام . فإن قالوا : فلو نص على إمام وأقامه إماما كان يجب عصمته . فإن قلتم : نعم ، فيجب إذا أمر به أن يكون كأنه أقامه ، في وجوب ذلك فيه ، كما أنكم قلتم : إنه لا فرق بين ما يلزمكم فعله اجتهادا وبين ما نص عليه من الأحكام . فإن قلتم : إنه يجوز أن لا يكون معصوما ، فكيف يصح ذلك وهو عالم بمن يغير ويبدل وبمن لا يجوز عليه ذلك ، وأنتم لو علمتم ذلك لما حسن منكم إلا إقامة من لا يغير ولا يبدل ، فكيف يجوز فيمن يقيمه تعالى أن يجوز فيه التغيير والتبديل ، وهذا يوجب كونه معصوما لو أقامه تعالى ، وأن لا يصح أن يكون إماما إلا وهذا حاله . قيل له : إنه تعالى / إذا ألزمنا أن لا نقيم إلا من يغلب على الظن من حاله أنه صالح لا يغير ولا يبدل ، فلا بد لنا لو علمنا ما حاله ذلك ، بدلا من الظن أنه كان يلزم أن لا نقيم إلا من هذه حاله . فإذا كان تعالى عالما بذلك لم يجز أن يقيم إلا من هذه حاله ، ولا يجب مثل ذلك فيمن يتعلق به من لا سبيل له إلى العلم ؛ لأنه إنما يلزمه إذا طريقه الظن في هذا الباب . يبين ذلك أنه تعالى لو أقام للحاكم شهودا لوجب أن يكون صدقهم وصحة شهادتهم مقطوعا عليه . ولا يجب مثل ذلك فيما يتعبدنا به ؛ لأنه إنما لمزمنا « 3 » أن نتحرى في ذلك غالب الظن ، فكذلك القول في نصب الأحكام ، بل في نصب الوكلاء والأوصياء . فلو كان ما تعلقوا به يوجب عصمة الإمام لوجب عصمة من ذكرناه ، ولو كان يمنع

--> ( 1 ) الأولى ( لهم ) . ( 2 ) الأولى ( الذين ) . ( 3 ) لعلها ( لزمنا ) .