القاضي عبد الجبار الهمذاني

87

المغني في أبواب التوحيد والعدل

على أنه يقال لهم - إن ارتكبوا ذلك - ما الّذي يمنع من أن يكون في رعيته من يكون معصوما بمعنى المنع ؟ لأنه إن جاز مع التكليف ثبوت ذلك في بعض المكلفين ونعرف ذلك من حاله ، لم يمتنع ثبوت مثله في غيره من المكلفين ولا نعرف ذلك من حاله ، فيعود ما ألزمناهم من حيث ظنوا أنهم يتخلصون بهذه الجهالة من لزومه . وقد ذكر شيخنا أبو علي أنه لا أحد من المكلفين إلا وهو معصوم بعصمة اللّه ، وإنما يبين بعضهم من بعض في أن المقدور له من العصمة ما ليس لغيره ، لا أنه تعالى في حكمته يعصم واحدا دون الآخر فيما كلفه ، فإذا علم من حال بعضهم أنه يقدم على القبيح ولا عصمة في المقدور بصرفه عن اختياره ، جاز أن يبعثه نبيا على الشرائط التي ذكرناها ، وإن كان في المكلفين من يشاركه في العصمة ، فيجب أن يجوزوا مثل ذلك في الإمام . فإن قالوا : إنما نمنع من مشاركة الإمام رعيته فيما له وقعت الحاجة إلى الإمام وهو جواز الحدث ، فأما أن يشاركهم في العصمة فمما لا ننكره ، لأن ذلك بأن يكون مغنيا عن الإمام أولى من أن يكون سببا للحاجة إليه ، فكيف يلزمنا ما ذكرتموه ؟ قيل له « 1 » : ذلك لازم لك لا من الوجه الّذي ظننته ، لكن بأن نقول : إذا كان في رعيته من يستغنى عنه فيما ذكرتم ، ولم يمنع ذلك من كونه بائنا منه بطريق الإمامة ، فما الّذي يمنع من مثله فيما نذهب إليه ، ولا يجب أن لا يلزم الكلام إلا على طريق المناقضة ، بل قد يلزم على هذا الوجه الّذي ذكرناه ، ويقع به التنبيه على أن الّذي أوردتموه دعوى لا دلالة عليها ، على أن القوم إذا اعتلوا بهذه العلة عقلا ، فهي غير مسلمة لأنا نجوز في العقل ورود الشرع بأن نجعل إقامة الحد إلى من يلزمه الحد ، كما

--> ( 1 ) الأولى ( لهم ) .