القاضي عبد الجبار الهمذاني
86
المغني في أبواب التوحيد والعدل
العصمة ليكون ما يؤمنهم ، وإلا فإن جاز أن يكون منهم من يكون حاله كحاله ، ولم يمنع ذلك من كونه إماما دونهم ، لمهمة في طريقة إثبات الإمامة ، فما الّذي يمنع من مثله فيما يذهب إليه ، ولا يمكنهم التخلص من ذلك إلا بأن يقطعوا على أنه لا أحد في رعية الإمام إلا ويجوز عليه التبديل والتغيير ؛ لأن هذا هو المراد بقولهم : إنه معصوم . والقطع على ذلك أنه لا أحد في الأمة إلا وهذه حاله في كل زمان ، وقد ورد نص الكتاب بخلاف ذلك في أيام الرسول وبعده ؛ ولأنه لا أحد ممن يظهر منه الصلاح إلا ويجوز أن يستمر به الصلاح وأن يكون سليم الباطن . ولا يمكنهم أن يقولوا إنا نريد - بأن التغيير والتبديل يجوز على غير الإمام - أنا نشك في ذلك من حال كل أحد ، ولا نشك في الإمام ؛ وذلك لأن علتهم توجب عليهم أن يقطعوا في غير الإمام أن حالهم مفارقة لحاله ، وأن لا يقتصروا على الشك . وفي ذلك من الفساد ما قدمناه . وربما قال بعضهم : إن الإمام معصوم ، وأن غيره ، وإن لم يغير ولم يبدل فليس بمعصوم ، ويزعم أن التفرقة على كل حال بينه وبينهم حاصلة . وهذا بعيد يدل من قائله على أنه لا يعرف معنى العصمة ؛ لأنه ليس يمكن في معناها إلا أحد قولين : إما أنه تعالى قد لطف له في الامتناع من القبيح فهو معصوم بما فعله تعالى ، وهذا الوجه يستوى فيه كل مكلف ولا يجوز أن يكون هذا مرادهم . وإما أن يراد بذلك أن المتعالم من حاله أنه لا يختار القبيح والإخلال بالواجب ؛ فإنه تعالى عصمه من ذلك بمعنى أنه فعل ما يقتضي اختياره عنده لفعل الواجب ، والانتهاء عن / القبيح . وقد علمنا أنه لا يمتنع إثبات جماعة في كل زمان هذه حالهم سوى الإمام ، وهذا يبين بطلان علتهم . ولا يمكن أن يقال : إنه معصوم بمعنى أنه ممنوع من القبيح ؛ لأنه لو كان كذلك لبطل تكليفه ، ولخرج من أن يكون ممدوحا ؛ ولأنا قد بينا أن عصمة الإمام لا تفيد إلا ما ذكرناه ، ولا تكون حال الأئمة لو كانوا معصومين أوكد من حالهم .