القاضي عبد الجبار الهمذاني
80
المغني في أبواب التوحيد والعدل
معصومة ، وفي جملتها من يكون معصوما بانفراده ، وإنما أردنا بما قدمناه إبطال هذه الطريقة في إثبات إمام معصوم . على أنه لو صح ما قالوه ، كان لا يجب إثبات معصوم ؛ لجواز أن تكون الشريعة محفوظة بالنقل المتواتر ، كما أن القرآن محفوظ بهذه الطريقة ، إلى غير ذلك من السنن ، فكان لا يمتنع في كل شرع أن يكون منتسبا إلى ما يثبت بالتواتر وإلى ما يثبت بطريقة الاجتهاد والقياس الّذي « 1 » يتمكن العلماء منها ، فلا يبطل كون الشريعة محفوظة ، وإن لم يثبت إمام معصوم ، ولا بد للقوم مما ذكرناه في الطريق الّذي يعرف به الإمام المعصوم ؛ لأنه لا بد من أن يرجعوا فيه إلى التواتر ؛ فإذا صار ذلك محفوظا وهو من أصل الشريعة ، لم يمتنع مثله فيما عداه ، وإلا أدى ذلك إلى إثبات أئمة لا نهاية لهم على ما تقدم القول فيه ، ولا بد لهم من ذلك من وجه آخر . وذلك أنهم زعموا أن الإمام الّذي يحفظ / الشرع لا يلقى كل المكلفين ولا يلقاه جميعهم ، فلا بد فيما يحفظه أن يبلغه المحتاج إليه منهم بطريق التواتر ، فإذا صح فيما يحفظه أن ينتهى إلى المكلفين بهذا الوجه ، لم يمتنع مثله في شريعة الرسول عليه السلام ، ويستغنى عن إثبات المعصوم كما استغنى عن إبلاغ المعصوم ما يحفظه إليهم عن معصوم آخر ، ولا بد لهم من ذلك من وجه آخر ؛ لأن الإمام عندهم قد يكون مغلوبا بالخوارج وغيرهم ، ولا بد مع ثبات التكليف من معرفة الشرائع ، فإذا صح أن يعرفوها والحال هذه ، لا من جهة الإمام ، فلا يمتنع في سائر الأحوال مثله ، ويستغنى عن الإمام المعصوم ، ولا بد من ذلك من وجه آخر ؛ لأن الإمام منذ زمان غير معلوم عينه ، وإن كان له عين فغير معلوم مكانه ، وغير متميز على وجه يصح أن يقصد ، وقد صح مع ذلك أن نعرف الشرائع ونقوم بها ، فغير ممتنع مثله في سائر الأزمنة .
--> ( 1 ) كذا في الأصل .