القاضي عبد الجبار الهمذاني

39

المغني في أبواب التوحيد والعدل

وبقع الخلاف بيننا وبينهم في بعض أوصاف الإمام دون سائره . والخلاف بيننا وبينهم لا يقدح في الأصول ، وإنما يجب أن ينظر في الصحيح منه من غير / أن يولد ذلك تهمة في الدين . وأحد ما يدل على أن الإمامة لا تجب من جهة العقل أن الإمام إنما يراد لأمور سمعية ، كإقامة الحدود وتنفيذ الأحكام وما شاكلهما . وإذا كان ما يراد له الإمام لا مدخل للعقل فيه ، فبأن لا يكون له مدخل في إثبات الإمام أولى . يبين ذلك أن الأمراء والحكام إنما يجب إثباتهم بمثل هذه الطريقة ، فلما لم يثبت ما له يرادون « 1 » بالسمع لم يجب بالعقل إثبات أمير أو حاكم . فكذلك القول في الإمام . فإن قالوا : إنا لا نسلم أن الإمام يراد لما ذكرتموه فقط ، فطريق الكلام معهم أن يقال : لا بد من أن يكون لأمر ما ، فإما أن يكون لما ذكرناه ، أو يكون حجة ، وقد أبطلنا ذلك ، أو يكون منتصبا كانتصاب الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ، وقد بينا أن ذلك لا يجب عقلا ، فإنه لو وجب لم يكن ليخصص وجوبه بعين دون عين ، بل كان يجب على الجميع ، إما على كل واحد منهم ، أو على طريق الكفاية ، وذلك يسقط سائر ما يتعلقون به في هذا الباب . فإن قالوا : نحتاج إليه ليؤدى عن الرسول الشريعة ، فقد علمنا أن التواتر يغنى عن ذلك ، وكذلك الإجماع . فإن قالوا بجواز الخطأ عليهما ، فقد بينا فساد ذلك . وبينا أيضا أن إثبات الإمام لا يصح إلا بثبات التواتر ، فهو كالفرع على صحته ، ولا يصح مع بطلانه القول بإثبات الإمامة ، ومتى قالوا : يحتاج إليه لإزالة السهو والخطأ إلى غير ذلك . فقد بينا أن ذلك يزول من دون الإمام ، إذا عرف أن السهو لا يقع في نقل الأخبار على طريق التواتر ولا يصح على جميع الأمة .

--> ( 1 ) في الأصل ( يرادوا ) .