القاضي عبد الجبار الهمذاني

36

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فيقال لهم : فما الّذي يمنع من صحة ذلك في العقلاء وإن لم يثبت إمام ولا رسول ولم يقع لهم العلم بذلك . ويقال لهم : إن وقوع القتل بالسم ليس بواجب ، وقد كان يجوز أن تتعلق الشهوة به فيصير غذاء ، وأن تجرى العادة فيه بخلاف ذلك فلا يكون قاتلا ، فما الّذي يمنع من أن يخلى اللّه المكلفين من حجة إذا كانت الحال هذه ؟ فإن كان البقاء لا يتم إلا بالتفرقة بين هذين الأمرين ، وقد نستغني عن التفرقة بينهما من هذا الوجه فيجب أن نستغني عن إمام مع التكليف . وقد بينا القول في ذلك وفيما يشاكله من الشبه في باب النبوات من نحو قولهم إنه لا بد من حجة تبين ما يتصل بالأدوية المركبة والمفردة ، وتبين اللغات وغير ذلك . ولا وجه لإعادة القول فيه . وبعد فإن كل ذلك يوجب الاستغناء بالرسول إذا بيّن بيانا يشتهر بطريقة التواتر هذه الأمور التي ذكروها ، كما نستغني الآن عن الإمام في وجوب الصلوات ، وأن الغرض أن نستقبل الكعبة وأن نصلى بطهارة ، إلى غير ذلك . واعلم أن الّذي أوجب هذا الخلاف الشديد الّذي هو أصل الكلام في الإمامة هو قولهم : إنه لا بد من إمام بعد الرسول خارج عن صفات / الذين فقد إمامتهم ، فأخرجهم ذلك إلى القول بأن الإمامة قرين النبوة ؛ فإنه لا بد فيها من العصمة ، ولم يمكنهم ذلك إلا مع القول بأنه حجة . وأنه تعلم من قبله الأمور كما تعلم من قبل الرسول فلا يصح - إذا كان الّذي دعاهم إلى هذه الأمور ، والطريقة ما ذكرناه - أن يحتجوا إلا بما يقتضي استمرار الحاجة إلى بيان يتجدد على الأوقات ، وذلك يبطل بما قدمناه ، لأن الرسول صلى اللّه عليه ، كما تغنى مشاهدته وسماع كلامه في معرفة الأمور من قبله ، عن غيره