القاضي عبد الجبار الهمذاني

33

المغني في أبواب التوحيد والعدل

الاستغناء عنه بالتفكر المبتدأ ، كما يصح مثل ذلك في الخاطر . وكل ذلك يبطل تعلقهم بهذه الطريقة . واعلم أن التكليف العقلي يتعلق بالعلم مرة ، وبغالب الظن أخرى : فإذا تعلق بالعلم فلا بد من كونه ضروريا أو مكتسبا . وإذا تعلق بغالب الظن لم يصح فيه إلا طريقة الاكتساب ؛ لأن الظن لا بد من أن يكون من قبله ؛ إلا أنه من حيث لا بد فيه من أمارة وطريق ، ربما تقوى الأمارة فيه ، فيصير كأنه ضروري ، وربما نقص ويكون إلى الاكتساب أقرب ، ولا يخرجه ذلك من أن يكون على كلا الوجهين مكتسبا . فإذا صح ذلك ، فلو احتاج أهل العقول في تكليفهم إلى الإمام في هذا الوجه ، لم يخل أن يحتاجوا إليه للعلم أو لغالب الظن . والحاجة إليه للعلم الضروري محال . لأن « 1 » ليس بفاعل له ولا سبب ، ولا طريق يحصل عنده لا محالة . فإن احتيج إليه للعلم المكتسب لم يخل من وجهين : إما لأنه يبيّن ويدل بقوله أو ينبه على الأدلة ، فإن كان يدل فيجب أن يعلم كونه دلالة على وجه لا ينفك التكليف العقلي منه ، لأنه إن علم دلالة على وجه ينفك منه فلا حاجة إليه . وقد بينا أن سائر ما كلفه العاقل قد يعلمه وإن لم يعلم الإمام ، كما قد نعلمه وإن لم يعلم الرسول ؛ ولأن التكليف العقلي لو لم يعلم إلا من جهته ، وليس في العقول تمييزه من غيره لتناقض « 2 » . ومتى قالوا : نحتاج إليه لينبه على الأدلة فغيره يقوم مقامه إذا نبه ، ولأن تفكر العاقل ابتدأ يقوم مقامه ويغنى عن ذلك . وكذلك القول إذا أوجبوا الحاجة إليه لطريقة غالب الظن ، لأن سائر المخبرين ممن يحسن الظن بهم يغنون عنه . وكل ذلك يبين فساد ما يتعلقون به .

--> ( 1 ) لعلها ( لأنه ) . ( 2 ) كذا في الأصل .